الندوات والبحوث والمؤتمرات… بين استهلاك المعرفة و انتاجها

 

تعرف الاحزاب السياسية و الجمعيات تهافتا غير مسبوق نحو تنظيم الندوات و اللقاءات الوطنية و الدولية، منها ماهو معقول ومرغوب فيه، ومنها ما هو دون ذلك، ومنها ماهو غريب، ومنها ماهو الغربة بعينها،  بل حتى صرنا نسمع عن مؤتمرات غير مسبوقة دون هدف منها، بل عائلاتية في بعضها، وعدد منها يمر بشكل علني و مسبوق الاعلام به، لكن العدد الاكبر منها يمر في سرية تامة ولا يعلن عنه إلا بحلول يومه أو قربه بشكل كبير،  دون تواصل مع مختلف هيئات و تركيبات المجتمع المغربي، و ليس كل ما يلمع ذهبا، فعدد من هذه الندوات هو استهلاك للموارد المالية لاغير، و عدد منها هو سباق نحو استقطاب الشباب، وعدد منها في عداد الاشهار،  و منها ماهو استهلاك للمعرفة دون انتاجها وهو الجزء الذي نصبو للحديث عنه، أما غيره فهو جريمة في حق المجتمع ولا حاجة لنا به في هذا الموضع.

تعتبر المعرفة الصفة الاساسية للمجتمع المغربي منذ قرون، وقبيل الحماية توقفت هذه العملية وتم ردمها، و في الماضي، ومن خلال المعرفة تحققت معظم التحولات العميقة والمهمة في كل مجالات الحياة المغربية، لما لها من علاقة عضوية بتنمية المجتمع و الفرد، اذ انها احد المكتسبات المهمة للانتاج والاقتصاد، وللعلم: فبناء القدرات الانسانية وتطويرها عن طريق المعرفة، انما ينطلق من تطوير كفاءة وقدرات الافراد عبر امتلاك وسائل المعرفة الحقيقية و العميقة، بشكل موجه وصحيح واستثمارها بابعادها العلمية الدقيقة من خلال الاستخدام الكثيف والدوري للمهارات وادوات المعرفة الفنية و الابتكارية المتطورة…

 لكن مع الاسف قد تلاشت هذه الرغبة وأخذ مكانها جيل جديد من استهلاك المعرفة دون التفاعل الحقيقي من أجل بلورتها و انتاجها واستخدامها من أجل التصنيع و الانتاج، وهنا مربط الفرس، فالمعرفة الحقيقية تؤدى بطريقة سلسة و سهلة نحو انتاج المعرفة و هي عملية الابتكار والاكتشاف والاختراع او الاكتساب لمعرفة معينة ثم القيام باستخدامها ونشرها ثم تخزينها، مما يحول بالنفع على الفرد و المجتمع، و صناعة المعرفة هي امتداد لعملية انتاج المعرفة بشكل جزئي أو كلي، وتتضمن الاساليب التربوية والتقنية وطرق التدريب وعملية الاستشارات الفردية والجماعية وهي عبارة عن حوامل و نواقل للمعرفة، ومع الاسف فجل الندوات و البحوث وحتى المؤتمرات لا يتحقق فيها شئ من هذا القبيل.

وتجدر الاشارة أن هذه العملية تحتاج لادارة وبنية صلبة من أجل التمكن من عملية الانتاج وهي  تمثل الكيفية التي تتم بموجبها توجيه كل ما من شأنه الوصول الى المعرفة وطرق استخدامها والاستفادة منها بشكل هادف، وهذا دور المؤسسات الجامعية المغربية الحكومية و الخاصة، ولا يمكن في أية وجه من الوجوه إعفاء المؤسسات الجامعية الخاصة من المشاركة في قافلة المعرفة و التنمية المعرفية وعجلة الانتاج واكتفاءها بالربح المادي لما لها من إعفاءات و إلتزامات إتجاه الدولة، ولابد لها من الخروج من القوقعة والانفتاح على المجتمع و الجهة بصفة أفضل.

ويمكن القول أنها شرط لإنتاج المعرفة في الجامعات والمراكز العلميــة و في مختبرات الشركات إن وجدت، ثم لابد من التذكير أن دور المؤسسات الجامعية هو قيادة سفينة المعرفة في الجهة والاقليم وقيادة المادة العلمية للاحزاب والتنظيمات، بل لابد للمؤسسات الجامعية من تركيز تنظيم هذه التظاهرات العلمية و العمل على تنظيمها داخليا وخارجيا، والسهر على مواكبة عملية الانتاج المعرفي و التكنلوجي، لكن دون تسيس دور هذه الاخيرة، أو دون إخراجها من دور الام الحاضنة للعلم، و دون تقزيم دورها داخل الجهة و الاكتفاء بدورها الاستشاري أو الحضور الصوري في هيئة استاذ او أكثر، فإن لم تكن المؤسسات الجامعية جزءاً من الحل لمشاكل المجتمع بصفة عامة وللجهة بصفة خاصة فستكون في المستقبل القريب جزءا من المشاكل التي نعيشها بل ستصبح عبئا ثقيلا يصعب الانفاق عليه، و في جوهر التحليل فكل إناء يضيق بما جعل فيه إلا وعاء العلم فإنه يتسع، فكذلك الجامعات و المختبرات و مدن الابتكار… فهي منارات للمعرفة و العلم وبوصلة للاحزاب السياسية التي تتخبط في الجهل، بل للاحزاب والجمعيات والجماعات رغبة غريبة للتحكم في النخبة وتأطيرها، وهو أمر غير معقول… ففاقد الشئ لا يعطيه… 

و في ظل التأطير فالأخطاء تأتي دائما قبل الحقيقة وافضل من أن تأتي بعدها، وما يحدث اليوم هو خطا فادح في حق العلم  و التعليم ونحن في بدايته، فالندوات والبحوث والمؤتمرات في معظمها استهلاكية لاغير، ولا توجد هناك أية نية حقيقية في بعضها من أجل الانتاج والاستمرارية بل لا يوجد تتبع لمخرجات الندوات والمؤتمرات إلا في القليل القليل وبصراحة متناهية… بل الخطير، لو رجعنا بعد أربع سنوات لن نجد أي أثر للعديد من الندوات أو امتدادها، وحتى التي أقيمت خارجالمؤسسات الجامعية وربما حتى داخلها،  مع غياب تام لنظام معلوماتي يجمع مثل هذه المعطيات و العمل على توظيفها، بل لا بد من جرد حاجيات الجهة لنوع من الندوات والبحوث بعيدا كل البعد عن الفكر الاستهلاكي والعمل وفق الظرفية أو ما تفرضه، بل لابد من وجود مخططات متوسطة وبعيدة الامد، ثم أين هي ماهية القيمة العلمية لهذه الندوات؟ وأصلها؟ و قيمتها الانتاجية بدون جر القافلة للوراء؟ لا مفر أمامنا إلا بدفع الظلم عن المؤسسات الجامعية المغربية وكوادرها و إنهاء حالة الاستهلاك و التي ألف عليها المستهلكون

إن ميزانيات الاحزاب وميزانيات البحث ضعيفة بالمقارنة مع ماهو مطلوب، لكن تدبيرها أضعف في ظل التهافت نحو الاستهلاك مما يجعل التعليم وكوادره في موقف ضعف أمام ضياع ميزانيات في قطاعات وزارية أخرى دون أية نتيجة، وهو ما يصطلح عليه بضياع الفرص، وهنا لابد أن نشير إلى أمر ما، فالجامعات عبر مؤسساتها تدرس الاقتصاد و التسيير و التدبير وحتى الحكامة، وعليها ان تكون رائدة في حسن التدبير والتسيير و الالمام التام بركائز الاقتصاد وبوسائل الحكامة في تسيير المال العام في ظل القانون المغربي ودستور المملكة، وليس للاحزاب السياسية أو غيرها أي دور علمي في تأطير المادة العلمية للمؤسسات الجامعية وبلورتها، فلابد لها أن تكون هذه الاخيرة تابعة للجامعة أو المؤسسات الجامعية و العكس غير صحيح

ان الانتقال نحو مجتمع المعلومات وتكنلوجيا المعلوميات والمعرفة العميقة يتطلب اعداد مستلزمات مشروع تقييم اصول المعرفة من جانب، ومن جانب آخر وضع برامج تساعد على تكوين مناخ ايجابي وفعال لإنتاج المعرفة الحقيقية بدلاً من استهلاكها، والاكتفاء بمرحلة بدائية في طريق العلم، وهي مرحلة التلقي، بل لابد من ابتكار وابداع المعرفة، وهو امر لم يعد يسمح به عالم العولمة، ولا الظرفية ولا حاجة المجتمع تسمح به

ولابد للمسؤولين من التفطن إلا أن الميزانيات التي تصرف لبلوغ هدف ما تم تسطيره مسبقا لابد ان يترك اثرا يوازيه في المعرفة و الانتاج مع الاستمرارية في اللقاءات المستقبلية، مع إبلاغ الرأي العام بحصيلة ومخرجات اللقاءات عبر وثائق و مرفقات قابلة للتحميل في مواقع الصحافة الالكترونية، ثم هناك إشكالية تكثيف الندوات و اللقاءات في وقت واحد مما يفرض صعوبة التتبع و تلاشي المادة العلمية لغياب التركيز للمؤطرين والحضور، بل حتى التقييم يجب أن بكون ثقافة قبل ان يصير عنوان يلقن في الاعلام، وان حسن التدبير والعمل ضمن أجندة محلية حقيقية ليس انتقاصا من كفاءة البرامج الخارجية أو الصادرة عن التعاون الثنائي أو المتعدد الاطراف، وان الهدف من اي نشاط هو المواطن المغربي مركز اهتمام كل السياسات التنموية في بلادنا

و في النهاية لابد من إدراك أن خطورة تزييف الثقافة على الأجيال القادمة, جريمة بشعة بل سناسهم بهذا السلوك بتحويل المجتمع في زمن العولمة من استهلاك الثقافة إلى إنتاج ثقافة استهلاكية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *