مكانة الأشخاص في وضعية إعاقة ضمن المسؤولية الاجتماعية للشركات: من العطاء كالتزام إلى العطاء كاستراتيجية

مكانة الأشخاص في وضعية إعاقة ضمن المسؤولية الاجتماعية للشركات: من العطاء كالتزام إلى العطاء كاستراتيجية

 

في خضم التفاعل مع مفهوم المسؤولية الاجتماعية وتبني مبادرات داعمة لمبادئها، وفي ظل تزايد الضغوط على المؤسسات ومطالبتها بضرورة تحمل مسؤوليتها تجاه مجتمعها وفق معايير عدم التمييز في العمل وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، وكذا تطوير التنوع في الموارد البشرية…، نطرح عدة أسئلة مركزية، تستمد مشروعيتها من بداية العقد الماضي عندما لوحظ ازدياد عطاء الشركات في المسؤولية الاجتماعية المرتبطة بالأشخاص في وضعية إعاقة، لكن ترسيخ المعيار الاجتماعي-المجالي المؤسسي بقي ضعيفا نسبيا، وعليه فسؤالنا هو:

ما هو تحدي المسؤولية الاجتماعية للشركات دوليا؟ وما هو واقعها بالمغرب؟ وما مكانة الإعاقة ضمن اهتمامات هذه الشركات؟

  1. المسؤولية الاجتماعية في ظل التحديات الاقتصادية:

لا يختلف اثنان على كون اقتصاديات القرن الواحد والعشرين عرفت تحولات كبرى، ارتبط غالبيتها بدينامية متعددة الأبعاد في أنظمة الإنتاج الوطني سواء في البلدان المتقدمة أو البلدان الصاعدة، فكان لذلك أثر كبير على أنظمة الاقتصاد العالمية بفعل عولمة بنيات الإنتاج واقتصاد السوق وقانون العرض والطلب.

وبناء على ذلك، وفي ظل تسارع وتعقد المسألة الاقتصادية، عرف مجموعة من المعارف والمهارات والمؤهلات والمهن تقادما، لأنها لم تستطع مواكبة هذه الدينامية المتسارعة لأنظمة الإنتاج، مما فرض على الدول والمقاولات تحديدا أن تعيد النظر في حكامة المجالات الترابية عن طريق كسب رهان التنافسية القريبة مع القدرة على التخطيط المتوسط والبعيد، ومحاولة التحكم في الاقتصاد تنظيما وحكامة[1]، وفي هذا السياق تطور مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات، نتيجة:

  • اقتصاد معولم => تحديات في الضبط والتنظيم السوسيومجالي.
  • تطور التكنولوجيات ومستلزمات الانفتاح => تهديد التماسك الاجتماعي والتوازنات وقواعد المنافسة الشريفة.
  • ظهور مبادرات ايجابية لمنظمات وبشراكة مع الحكومات => مبنية على ميثاق اجتماعي.
  • تحديات القطاع العالم والخاص المرتبطة بضرورة احترام حقوق الانسان، والوعي بمخاطر استنزاف الموارد المعدنية والطبيعية، والتفاوتات الاجتماعية والتقلبات المناخية كعامل يهدد الأمن الغذائي، وتفشي الأوبئة وموجات الهجرة وتكاثر النزاعات => أصبح مجتمع القرن الواحد والعشرين مجبرا لإبرام عقد اجتماعي جديد.

وكرد فعل تجاه هذه التحديات التي فرضها الاقتصاد المعلوم، استجاب اتحاد المجالس الاقتصادية والاجتماعية بالدول الفرنكوفونية إلى هذه السياقات من خلال التزامه بمساعدة المجتمع المدني المنظم بإعادة صياغة عقود شركات تهدف إلى:

  1. الولوج لجميه الفئات الاجتماعية خاصة الهشة دون تمييز إلى الخدمات الأساسية والى الرفاهية الاجتماعية
  2. الولوج الى المعرفة والتكوين والتنمية الثقافية
  3. الاندماج والتضامن
  4. حماية الأطفال
  5. الحوار الاجتماعي والحوار المدني والشركات من أجل التقدم
  6. حماية البيئة
  7. الحكامة المسؤولة والتنمية والأمن والاقتصادي والديموقراطية الاجتماعية

إن هذه الأهداف تدخل في إطار المسؤولية الاجتماعية للشركات تجاه المجتمع؟ فما المقصود بالمسؤولية الاجتماعية؟

  1. تعريف المسؤولية الاجتماعية:

يقصد المسؤولية الاجتماعية للشركات Corporate social responsability ذلك، ” الالتزام بتحسين رفاهية المجتمع من خلال ممارسات وأعمال اختيارية تقديرية ومساهمات بالموارد المؤسسية”[2]، وعندما نقول اختيارية بمعنى ليست واجبة بحكم القانون، فهي التزام طوعي Voluntary، ويشمل مصطلح “رفاهية المجتمع” كل الظروف والأوضاع البشرية فضلا عن القضايا البيئية.

تتعدد أسماء المسؤولية الاجتماعية للشركات حسب البيئات والجغرافيات، ومن أهمها المواطنة العالمية والتسويق الاجتماعي المؤسسي. المبني على عملية صنع القرار المتصل ” بالقيم الأخلاقية والمتطلبات القانونية بالإضافة إلى احترام الناس والمجتمعات والبيئة”[3]. ومن أبرز المبادرات الاجتماعية المؤسسية التي تقوم بها الشركات العالمية، تعليم الأشخاص في وضعية إعاقة، والتدريب الوظيفي للمعوزين، وكذا مناهضة التمييز في إطار الاحتياجات والرغبات الإنسانية. إن هذه المبادرات تهدف إلى مساندة القضايا الاجتماعية الموجودة في محيط الشركة والوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية.

من بين المؤسسات والهيئات التي تناولت المسؤولية الاجتماعية، ووضعت لها تعاريف وفق تخصصها وأهدافها، نجد:

  • الأهداف الجديدة للتنمية المستدامة للأمم المتحدة، تدعو في هدفها 76 إلى «تشجيع الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين على تبني معايير المسؤولية الاجتماعية والبيئية والحكامة وتطبيقها»
  • يصفها معيار إيزو 26000 الخاص بالمسؤولية الاجتماعية أنها التزام تعمل بموجبه أي منظمة على «التحكم في تأثيراتها على المجتمع، وذلك بمراعاة انتظارات الأطراف المعنية واحترام القوانين الوطنية والمعايير الدولية»

=> لكن لا يجب أن ننسى أن المسؤولية الاجتماعية يجب أن تشكل خطا توجيهيا موحدا من أجل عقد اجتماعي جديد قائم على الحقوق الكونية الملزمة ويتحقق عبر الحوار بين مختلف فاعلي المجتمع وفقا لخصوصيات المجال الذي تنتمي إليه المقاولة.

  1. واقع المسؤولية الاجتماعية للشركات بالمغرب:

جاء في رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بالجريدة الرسمية عدد 6588 بتاريخ 25 شوال 1438 الموافق لـ 20 يوليوز 2017، أن المسؤولية المجتمعية للمنظمات والشركات هي آلية للانتقال نحو تنمية مستدامة. وقد أصدر تقريره المعتمد على منهجية تروم تقديم تحليل مستفيض لمختلف الوثائق والدراسات والتقارير التي نشرتها المؤسسات الوطنية والدولية. كما اعتمد هذا التقرير حسب رأي المجلس على مقاربة تشاركية تقوم على الانصاب إلى 32 هيئة ومؤسسة من خلال 7 ورشات. ومن أهم الفاعلين الذين تم الاشتغال معهم: مقاولات عمومية، مقاولات خاصة، مجتمع مدني، مركزيات نقابية، مؤسسات مالية، فاعلون في مجال التنمية الترابية، خبراء وأكاديميون…

إن السياقات المصاحبة لاهتمام المغرب بالمسؤولية الاجتماعية شأنه شأن باقي الدول، هو اعتماد أجندة 2030 للأمم المتحدة حول التنمية المستدامة، والذي “فرض على الدول الأعضاء إعداد نماذج تنموية تكون أكثر احتراما للبشرية وللكرة الأرضية والحكامة الجيدة. وانطلاقا من اقتناعه بوجاهة أهداف هذه الأجندة، انخرط المغرب في سلسلة من الإصلاحات التي طالت مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك قصد الشروع في تحقيق انتقاله نحو التنمية المستدامة، والتي تعتبر المسؤولية المجتمعية للمنظمات واحدة من أدواتها الرئيسية. وبالتالي، فإن التركيز على المنظمات وليس على المقاولات فقط، يعود إلى أن التنمية المستدامة باتت مسؤولية جميع الفاعلين في المجتمع، وفي مقدمتهم الدولة والمجالات الترابية والمقاولات العمومية والخاصة والمجتمع المدني”[4].

قدم التقرير تشخيصا للمسؤولية الاجتماعية، إذ اعتبرها سلوكا شفافا وأخلاقيا مسؤولا، يقوم على المساهمة في التنمية المستدامة وتحقيق رخاء المجتمع واحترام القوانين.

من بين الآليات التي من خلالها تم تنزيل المسؤولية الاجتماعية هو القطاع الخاص المتمثل أساسا في الشركات، وعمل الاتحاد العام للمقاولات بالمغرب على إعداد ميثاق المسؤولية الاجتماعية، يتكون من سبعة مبادئ، من بينها:

  • المبدأ الأول: احترام حقوق الانسان: «تجنب جميع أشكال الميز وتشجيع مساواة الحظوظ بين الرجال والنساء، ولفائدة الفئات الأكثر عرضة للميز وعدم المساواة وخصوصا الأشخاص المعاقين»
  • المبدأ السابع: تنمية الالتزام الاجتماعي: «… محاربة الفقر والأمية واللامساواة في التنمية الجهوية وبشكل عام تشجيع الثقافة والفنون والمعرفة»

 

*عضو فريق بحث “جغرافية التنمية”، متخصص في جغرافية الاعاقة.

[1] – إدريس الكراوي، 2018، التنمية نهاية نموذج، المركز الثقافي للكتاب للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، ص14.

[2] – فيليب كوتلر، نانسي لي، ترجمة علا أحمد صالح (2011)، المسؤولية الاجتماعية للشركات، الدار الدولية للاستثمارات الثقافية القاهرة مصر، الطبعة الأولى، ص9

[3] – نفس المرجع، ص 10

[4] – نفس المرجع السابق، ص 41 و99.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *