عجوز تُدعى ‘‘ مراكش العتيقة ’’ تنهار بالبكاء بعد تعرضها للخيانة من طرف أبنائها

 لم يتوقع سعيد , الشاب المغترب , أن تصل درجات شوقه و تَوقه لمسقط رأسه هذا الحد . حد انفلات قطرات دمع من بين رموشه المنطبقة ،في ليلة ممطرة هناك في ذلك البلد البعيد ,ليجد نفسه مجبراً على وضع تلك الصور التي تسببت في بكائه جانباً , ثم ارتمى فوق فراشه معلنا استسلامه للذاكرة التي عادت به إلى الوراء قليلا . و جعلته يستحضر ذكرياته بأحياء مدينة مراكش , حيث ولد و ترعرع .
    كان في البداية يحاول إخفاء رغبته في العودة إلى مدينته ,يتذاكى و يتظاهر بذلك  , لكنه اعترف أخيراً بشوقه لبلاده الأصل , فاستدرك الأمر و أنهى المشهد الحزين، لينسحب من اللعبة بشرف . بعدما فشل في مقاومة دموعه الصادقة  . سعيد شاب لم يكن معروفا وسط أحياء المدينة الحمراء , أنيق على بساطة هندامه و شعره على الدوام مُجفف بعناية . كان يقضي جل يومه في المنزل يلبي طلبات أمه التي كانت طريحة الفراش . قبل ان تنتقل إلى جوار ربها .
  لم يتحمل الشاب سعيد العيش وحده بعد رحيل أمه , فقرر المغادرة للبحث عن حياة جديدة , و هذا ما تأتى له بعد حصوله على وظيفة خارج الوطن ليصبح مغتربا لمدة تجاوزت عشر سنوات , لكن الشوق استوقف الشاب الوسيم في هذه الليلة الشتوية المضلمة , و تسلل إلى روحه و كيانه تَوق لم يستطع الفكاك منه , شعر بشيء أقوى من الاشتياق و أعمق من الحالة . فشل شامل طال روحه و وجدانه .
    حان وقت العودة , هكذا صاح الشاب بدون شعور , كررها عدة مرات حتى تأكد من أنه المتحدث و ليس شخصا آخر . دار حوار حاسم بينه و بين نفسه , لم يكن الأمر يتطلب وقتا طويلا ,لأن رغبته ساهمت بشكل كبير في المصادقة على العودة إلى  مراكش  , حزم حقائبه مباشرة بعد نهاية ذلك الاجتماع المفاجئ  ,انتابه شعور الفرحة و السعادة ,فاستولى عليه و لم ينم تلك الليلة .
    حط سعيد الرحال بمطار مراكش المنارة , و اتجه نحو بيته الكائن بالداوديات , تفقد البيت و فشل في التصدي لدموعه من جديد , أخذ قسطا من الراحة وبعدها قرر الخروج لمحاكاة روح الماضي و ذاكرة أحياء المدينة , و ما أن خرج من بيته تعرضت سبيله عجوز بالقرب من مسجد ‘‘ الكتبية ’’ ، يبدو عليها التعب بشدة , أخذت تمسح دموعها بأصابع مرتعشة منكسرة تحاول الاستقامة قليلا تم تعود فتنثني قبل أن تنطوي على ارتعاشها .لم تعد قدميها تستحملانها فجلست بمساعدة من الشاب .
   شرعت تشتكي كثرة همومها على الشاب سعيد الذي كان صاغيا منتبهاً لكل كلمة تبوح بها العجوز المنهكة .ارتجافها و خوفها ودموعها التي تسيل على وجناتها بغزارة كلها عوامل آثارت انتباهه و جعلته مُطيعاً لرغبتها في حكي معاناتها . حاول أن يهدأ من دهشتها قبل أن يسألها عن اسمها , صمتت لبعض الوقت ثم همست بنبرة حزن وخوف أنا ‘‘ مراكش العتيقة ’’ , ألا تعرفني وأنت واحد من أبنائي ؟
   تلعثم سعيد في عباراته , و أخذ يتأمل فيما آلت إليه أوضاع مراكش , تلك الجميلة الحمراء, تلك الساحرة التي يعشقها الصغير و الكبير بالمغرب وأنحاء العالم , تساءل خفيةً أين ذهبت بهجتها و سرورها ؟ أي فكاهتها و ابتسامتها الدائمة ؟ لماذا أصبحت حزينة وكئيبة بهذا الشكل المبكي ؟ استدار نحوها و تلكأ مرة أخرى فلم يجد من الكلمات ما يسمح له بمواصلة الحوار و معرفة المزيد عن الأمر , ساحة جامع لفنا الفارغة زادت من صمت الشاب , تلك الساحة الفنية التي لطالما امتلأت زواياها بالزوار المحليين و الأجانب , أصبحت مكان للأشباح , شرع سعيد في اكتشاف باقي هموم مراكش التي لم تكف عن البكاء منذ جلوسها , محاولة إخفاء ولهات شهيقها و زفيرها التي تكاد تحبس أنفاسها .
   أضافت السيدة العجوز مراكش للشاب , لا أعرف يا بني لما  يفعلون بي هكذا  ,وضعتُ ثقتي بهم و سلمت لهم زمام أموري وفي النهاية صفقوا لقرارات عدة لا تخدموا مصالحي البتة , منعوا السياح المحليين و الأجانب من زيارتي منذ ظهور ذلك المرض الخبيث , عشت سنة تعيسة مع أبنائي الذين فُرض عليهم الحجر الصحي ,بعضهم أغلقت محلاتهم التجارية و مطاعمهم كليا و البعض الأخر جزئيا , استبشرنا خيرا بحلول السنة الجديدة لكن حلم أبنائي لم يكتب له التحقق , ما يزالون يقبعون في ظلمات الفقر . أصبحت مشاعر سعيد واضحة وكذلك موقفه من هؤلاء الذين خذلوا السيدة مراكش العتيقة .
   و بعد جولة له في أرجائها , لم يستوعب سعيد الحالة المزرية التي أصبحت تعيشها العجوز و كذا الخيانة التي تعرضت لها من طرف من تظاهروا بحبهم لها . و الذي أثار استغراب سعيد أكثر هو أن هؤلاء الخونة أبناء مراكش , اختاروا الزج بها نحو الهلاك عوض الدفاع عنها , و العناية بها لتجاوز محنتها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *