مين..

       
                                         خيمة العزاء منصوبة امام باب الدار .المعزون يأتون ويروحون .ونحن نستقبل ونودع .نتقبل العزاء في وفاة الحاج عبدالكريم ،كبير الدوار وحكيمه .كل المعزين في سيرته ،وكيف رسم مكان مدفنه جنب السعدية التي تزوجها  وهو لا زال غضا طريا وهي طفلة لم تزل ،كانت حب حياته ومماته ،حتى دفن جنبها وكانهما نائمين في سرير الارض. ويتابعون بخشوع كيف ذهب من المدينة التي اقام فيها في كبره ،بعدما فرغت الدار بما امتلأت من بنات وأولاد كثر ،ذهب ليلقي النظرة الاخيرة على ما شيد وما غرس ،ذهب ليودع الصغير قبل الكبير.كانوا مشدوهين لحكمة الرجل واصالته ،وكيف تنبأ بدنو النهاية بعدما جاوز العقد التاسع،وصرت لا تسمع منه الا تعبت اريد اللحاق بها .تدمع عيناه كلما اشتد عليه الحنين للقياها.لم يحدث ان قال لها أحبك ،ولكنه لا يفعل شيئا الا بمشورتها ،حتى لو كان الموضوع يخص امور الزراعة،وكانه يريد بركتها او يبغي مشاركتها كل جزئياته،كل انفاسه،حتى عندما يطلب أحدنا منه مالا نحن الذين استوطنا المدارس ،يوجهنا نحو السعدية ،لتفاوضنا في المبلغ او لربما تعفيه الدفع اذا كان المبرر غير مقنع لها للمطالبة بهذا المبلغ .هو فلاح حريص على القرش.اطلب له اي شئ منقول،خروف ،حبوب اي شيء لكن اعفيه من مد يده لجيبه.كان يعشق رنين النقود ،واظن هي خصلة المزارعين ،لانهم لا يحصلون على المال الا في مواسم الحصاد .لهذا كانوا في الشاوية بعد الحصاد يقيمون الولائم في مواسم المنطقة ويتبركون بساداتهم وصلاحهم.
والمعزون لا يكفون عن التوافد ،لان الحاج عبدالكريم كان لا يتاخر عن واجب العزاء عند كل وفاة في المنطقة .
ونحن كذلك لم نزل في تقبل العزاء وقفت شاحنة ولد المعطي ،جارنا في الدوار .نزل منها خلق كبير .نزل كل الدوار.ونحن ننتظر نزول الباقين ونتهيؤ لاستقبالهم ،اطلت فاطمة اختي وكبيرتنا تدور براسها يمنة ويسرة وتشد يديها وراء ظهرها ،علامة الحزن هؤلاء هم معزونا الحقيقيين.هم من عاش معهم الحاج عبدالكريم ،هم من ولدنا في دفئهم ،هم من شاركونا افراحنا واتراحنا ،هم من لعبنا في باحات خيامهم ،هم من تحملوا تهورنا وحمقنا بابتسامة تنبع من القلب ،فقط لاننا كنا ابناء المرحوم.
دخلوا الدار متهيبين،وفي صدورهم حشرجة الالم ،وولد المعطي يعدد مناقب الحاج عبدالكريم بصوت رخيم ،شجي .هو يملك هذا الصوت الذي كان يفقد الطلبة صوابهم كلما احيوا مناسبة في الدوار .كنت اسميه مكاوي عندما يؤدي الليلة الكبيرة .صوت يختزل الحزن والفرح،يختزل تاريخنا ،يختزل ثنايا الروح ومنعرجاتها في شاوية القمح .
قدمنا ما يليق بمثل هذه المناسبة ،مناسبة العزاء .وكانوا يتكلمون كلهم في نفس الوقت ويستمعون في نغس الوقت ،هؤلاء هم البدو ،يملكون هذه القدرة .وكانت فاطمة تتسيد الجلسة .
عندما وضعوا نقطة ،وتوقف زحف الكلام ،لا اعرف كيف حذث ذلك ،نظرت الى امراة تقربني سنا ،تجلس امامي ،بملامح لفحتها شمس السنين ،حتى تكلست السمرة في الوجنتين ،رغم انها تملك عيونا زرقا وبشرة بيضاء كما عرفتها ونحن نحضن الطبيعة ونركد وراء الفراشات ،وحتى عندما كنت اتلصص عليها وهي تستحم بخيوط الشمس ،كانت بضة .
انها مينة التي لقنتني ابجدية العشق،وحروف الحب ،ومتاهة المشاعر المرهفة ،هي من نسجت لي رداء الوله الاول كشهقة الحلاج عندما حلت في ذاته ذات الله.مينة حروفي الاولى ،واياتي وديني .
قلت عندما توقفوا عن الكلام ،توجهت اليها مخاطبا،تذكرين مينة ،التي نظرت الي وهي ملتفتة  بنصف نظرةوتشد شالا على فمها ونصف وجهها ،اكملت ،عندما كنت اول فتاة ترتدي بنطلونا،وخلق الموضوع القيل والقال في الدوار ،وتناهى الخبر الى الحاج عبدالكريم ،فقال لهم ما بكم منزعجين من الامر ،فقط سموها مين ومحمد عليه السلام .
بعدما كان الجو تخيم عليه اجواء الحزن والتهيب من المناسبة ،انفجر الجميع بالضحك .
مين اول من ارتدت البنطلون في الدوار ،مين اول من تمردت على سنة الزواج ،حيث كانت ترفض كل من تقدم لخطبتها ،وهذا كان يسعدني .مين تذهب للسوق تبيع وتشتري ،تؤجر الارض وتزرعها.مين تخالط الرجال وهي شامخة .مين لا شبيه لها في النساء ،فريدة في الزمن يتكلس على محياها .تسكن وحدها في بيت واسع ورتثه من أبويها .لم يحدث ان ضايقها احد من الدوار .مين هي بطلة غارسيا ماركيز في روايته مائة سنة من العزلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *