
في إطار الأدوار الرقابية والتشريعية التي يضطلع بها مجلس النواب، وحرصاً على تجويد السياسات العمومية في مجال التربية والتكوين، وجهت النائبة حنان أتركين سؤالاً شفوياً إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة حول ضرورة تعزيز منظومة التوجيه المدرسي، بما يساهم في تقليص الفجوة القائمة بين مخرجات التكوين ومتطلبات سوق الشغل.
ويأتي هذا السؤال في سياق وطني يتسم بتحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة، تفرض على المنظومة التربوية مواكبة دينامية المهن الجديدة والكفاءات المطلوبة، فالتوجيه المدرسي لم يعد مجرد محطة إدارية في المسار الدراسي للتلميذ(ة)، بل أضحى رافعة استراتيجية لتأطير الاختيارات الدراسية والمهنية على أسس علمية دقيقة، تراعي من جهة ميولات المتعلمين وقدراتهم، ومن جهة أخرى حاجيات الاقتصاد الوطني.
ورغم الإصلاحات التي شهدها القطاع في السنوات الأخيرة، لا تزال تقارير متعددة تشير إلى استمرار اختلالات بنيوية تتجلى في ضعف الملاءمة بين بعض التخصصات وسوق الشغل، وهو ما ينعكس في ارتفاع نسب البطالة، خاصة في صفوف الخريجين الجدد، وصعوبة اندماجهم المهني. ويعزى جزء من هذه الإشكالية إلى محدودية أطر التوجيه مقارنة بعدد التلاميذ، فضلاً عن ضعف المواكبة المبكرة والمستمرة، وغياب معطيات محينة حول المهن الواعدة والتحولات التي يعرفها النسيج الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال البرلماني ثلاثة محاور أساسية، أولها يتعلق بالإجراءات المزمع اتخاذها لتعزيز منظومة التوجيه المدرسي، سواء عبر الرفع من عدد أطر التوجيه وتحسين تكوينهم المستمر، أو من خلال تطوير الوسائل البيداغوجية والرقمية الكفيلة بتقديم معلومات دقيقة وميسّرة للتلاميذ وأسرهم. فالتوجيه الفعال يقتضي أدوات حديثة، ومنصات رقمية تفاعلية، واختبارات للميولات والكفاءات، إضافة إلى مواكبة نفسية وتربوية مستدامة.
أما المحور الثاني، فيرتبط بإدماج معطيات سوق الشغل بشكل منتظم في عملية التوجيه، عبر إرساء شراكات مؤسساتية مع القطاعات الإنتاجية والغرف المهنية والمقاولات، بما يضمن تحيين المعلومات المتعلقة بالمهن المطلوبة والكفاءات المستقبلية، فالتخطيط التربوي الناجع لا يمكن أن يتم بمعزل عن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، خاصة في ظل بروز مهن جديدة مرتبطة بالاقتصاد الرقمي والطاقات المتجددة والصناعات الحديثة.
ويهم المحور الثالث مسألة التوجيه المبكر والفعال كآلية للحد من الهدر المدرسي، إذ إن غياب رؤية واضحة لدى المتعلم بشأن مستقبله الدراسي والمهني قد يؤدي إلى الإحباط والانقطاع عن الدراسة، لذلك، فإن إرساء توجيه تدريجي يبدأ في مراحل مبكرة من التعليم، ويرتكز على الإنصات والمواكبة الفردية، من شأنه أن يعزز الدافعية ويُحسن فرص الاندماج في سوق الشغل.





