كشفت صحيفة اطالايار الإسبانية عن تفاصيل دقيقة لخطة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب، معتبرة أن المقترح يتجاوز كونه إعلاناً سياسياً إلى مشروع نظام أساسي متكامل ذي طبيعة دستورية وهيكلية واضحة، يستلهم تجارب دولية ناجحة مع مراعاة الخصوصية المغربية ووحدة الدولة وسيادتها.
ووفق المعطيات المنشورة، يقوم المشروع على وثيقة منظمة مادة بمادة، تتضمن تعريفات معيارية وأحكاماً انتقالية وبنوداً تفسيرية، ما يجعلها أقرب إلى نظام أساسي عضوي. وتعتمد الخطة على توزيع مختلط للاختصاصات بين الدولة والجهة، من خلال تحديد قائمة حصرية لاختصاصات الدولة مقابل قائمة مفصلة للاختصاصات الإقليمية، مع تكريس مبدأ السمو الوطني عند عدم التحديد.
وتحتفظ الدولة باختصاصاتها الحصرية في مجالات الدفاع الوطني، والأمن الاستراتيجي، والسياسة الخارجية، والتمثيل الدبلوماسي، والعملة، والسياسة النقدية، والجنسية، ورموز السيادة، إضافة إلى النظام القضائي الأسمى. في المقابل، تُمنح الجهة اختصاصات واسعة تشمل إعداد التراب والتخطيط العمراني والتنمية الاقتصادية والصناعية والسياحية، وتدبير المصايد البحرية، والسياسات الاجتماعية، والصحة، والتعليم، والبيئة، وإدارة موارد المياه والطاقة.
كما ينص المقترح على تكريس مبدأ “الولاء الدستوري” لضمان ممارسة السلطات الإقليمية في إطار وحدة الدولة، مع إدراج بند يسمح للدولة، بشكل استثنائي ومؤقت، بتعليق بعض الصلاحيات في حال وقوع ضرر جسيم يمس النظام الدستوري أو السلامة الإقليمية.
برلمان إقليمي وتمثيلية نسائية إلزامية
على المستوى المؤسساتي، يقترح المشروع إحداث برلمان إقليمي بغرفة واحدة، يضم أعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر، إلى جانب ممثلين عن القبائل الصحراوية المعترف بها. كما ينص على تخصيص كوطا إجبارية لتمثيلية النساء بنسبة دنيا محددة، مع تمكين البرلمان من صلاحيات تشريعية كاملة في نطاق اختصاصه، بما في ذلك اعتماد قوانين عضوية إقليمية بأغلبية موصوفة.
ويستمر سكان الجهة في التمثيلية داخل البرلمان الوطني المغربي، بما يضمن مشاركتهم في القرارات السيادية للمملكة، إلى جانب إحداث مجلس اقتصادي واجتماعي وبيئي إقليمي يضم الفاعلين الاقتصاديين وممثلي القبائل والمجتمع المدني.
سلطة تنفيذية منسقة مع الدولة وقضاء إقليمي تحت إشراف وطني
يقترح النظام أن يرأس السلطة التنفيذية رئيس حكومة يُنصب رسمياً من قبل الملك، ويتمتع بسلطة تنظيمية واسعة في تدبير الإدارة الذاتية وتعيين كبار المسؤولين، مع إمكانية مساءلته عبر ملتمس رقابة بنّاء. كما يعمل رئيس الحكومة الإقليمية ممثلاً للدولة في الجهة لضمان التنسيق الدستوري.
وفي ما يخص التنظيم القضائي، ينص المشروع على إحداث محاكم ابتدائية واستئنافية مختصة بتطبيق القوانين الإقليمية، تصدر أحكامها باسم الملك، إلى جانب محكمة إقليمية عليا تختص بالنزاعات المرتبطة بالقانون الإقليمي، مع خضوعها للمراجعة الدستورية الوطنية. كما تقترح آلية مشتركة لفض تنازع الاختصاص قبل اللجوء إلى المحكمة الدستورية.
نظام مالي خاص وضمانات للسيادة
اقتصادياً، يقترح النظام اعتماد موارد ضريبية إقليمية، تشمل الرسوم على استغلال الموارد الطبيعية، إضافة إلى حصة من الإيرادات الوطنية المحصلة داخل الإقليم، مع إرساء آليات للانضباط الميزانياتي والتنسيق الاقتصادي الكلي. كما ينص على آلية للتضامن الوطني تضمن مساهمة الجهة في الميزانية العامة، تحت رقابة المجلس الأعلى للحسابات.
ويؤكد المشروع على حماية الأراضي الجماعية وتأطير الامتيازات المنجمية ومشاريع الطاقة، مع إخضاع الاستثمارات الأجنبية لرقابة مزدوجة إقليمية ووطنية لضمان انسجامها مع التوجهات الاستراتيجية والأمن الاقتصادي.
مصالحة وانتقال منظم
ويتضمن المقترح أحكاماً خاصة بتنظيم عودة الأشخاص من مخيمات تيندوف، من خلال لجنة دائمة للتحقق من الهوية والنسب، وإجراءات دقيقة للتسجيل والأهلية الانتخابية، إلى جانب آلية انتقالية لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، مصحوبة بعفو مقنن يستثني الجرائم المخالفة للقانون الدولي.
استفتاء وطني وضمانة عدم الانفصال
دستورياً، يقترح عرض نظام الحكم الذاتي على استفتاء وطني يشارك فيه كافة المغاربة، مع إدماجه في الدستور عبر باب خاص يضمن تحصينه، وإخضاع أي تعديل مستقبلي لإجراءات معززة تتطلب أغلبية موصوفة على المستويين الإقليمي والوطني. كما ينص على ربط تفعيل النظام بمسار الجهوية المتقدمة لضمان المساواة بين مختلف الأقاليم.
وفي ما يتعلق بالهوية والسيادة، يؤكد المشروع أن الرموز الوطنية تظل اختصاصاً حصرياً للدولة، مع الاعتراف بالهوية الحسانية كمكون من مكونات التراث المغربي وإحداث معهد إقليمي يعنى بثقافتها. كما يُمنع أي شكل من أشكال الدبلوماسية الموازية، ويشترط التنسيق مع الدولة في أي تعاون دولي إقليمي، مع التأكيد على أن الاعتراف الدولي بالنظام لا يترتب عنه أي شكل من أشكال الوصاية الخارجية.
وتخلص الصحيفة الإسبانية إلى أن المقترح المغربي يستلهم نماذج حكم ذاتي ناجحة عالمياً، مثل النموذج الإسباني وتجربة غرينلاند، مع تكييفها بما ينسجم مع السياق الدستوري المغربي ومبدأ وحدة الدولة وعدم قابلية التراب الوطني للتجزئة، متضمناً آلية تقييم دورية كل خمس سنوات وبنداً صريحاً يستبعد أي تفسير قد يفتح الباب أمام خيار الانفصال.

