الضريبة على الأتعاب إلى أين؟

الضريبة على الأتعاب إلى أين؟

ظلت مهنة المحاماة  على مر العصور رسالة إنسانية نبيلة  مبنية على قيم  و مواقف أخلاقية رفيعة تسمو بها إلى مراتب عليا مقارنة مع باقي المهن ، و ستظل كذلك رسالة تسعى دائماً لإحلال العدل والحرية وسيادة القانون ، ومن ثمة فهي تعيش في ظل الحرية وتنمو في رحاب العدل وتعمل تحت راية سيادة القانون ، و هي من تلك الرمزية تناقض التجارة و تسمو بها عن شهوات الربح والخسارة، و تماشيا مع ذلك تدخلت قوانينها وأعرافها من أجل منع التجارة و الربح على ممارسيها ، بل إن اللغة و النظم القانونية  التي تؤطرها لا تسمي ما يتلقاه المحامي نظير مذكراته واستشاراته ومرافعاته أجرا أو عمولة، ولكنها انتقت لذلك عبارة أكثر انسجاما مع رسالة الدفاع وهي الأتعاب ، هذه الأخيرة التي لا تخضع لأي معيار ثابت عند تحديدها ، بل تختلف في قضية واحدة ، كما قد تختلف من محامي لآخر ، و من رقعة جغرافية  لأخرى.

غير أن زمن التراجعات الذي كتب علينا العيش فيه اليوم يأبى إلا أن يذكرنا بأنه إلى جانب المثال الذي رسخته الأجيال السابقة لهذه المهنة ، و إلى جانب ما تعيشه اليوم التجارب الدولية الرائدة من سمو للمهنة وشموخها، هناك الواقع المؤلم الذي يتخبط فيه حاليا العديد من أبنائها في وطننا العزيز حيث لا مكتب للتمرين ، و لا مكتب للممارسة بعد نهاية التمرين ، ولا ملفات منتظمة، ولا أتعاب قارة ، في ظل واقع موشوم في باطنه بالتردي و الانحطاط ، فلا أحد يجهل اليوم أن الدور الوظيفي المنوط بمهنة المحاماة أضحى رهينا بمواكبة التطور الذي يعيشه عالم اليوم في ميادين الاقتصاد و المعلوميات والاتصال وغيرها، و هذا لن يتأتى طبعا إلا إذا كان مشروع إصلاح منظومة العدالة قد أخذ أبعاده الشمولية ، و ساهمت وزارة العدل بأدوارها المنوطة بها في المساهمة في توفير أجواء ممارسة مهنية سليمة ، فما بلغته اليوم مهنة المحاماة من صمود أمام اكراهات الواقع كان بفضل تضحيات رجالاتها ، و أملنا في مستقبل أفضل في ظل بوادر وعي يتشكل و يتجدد باستمرار .

لذلك يبدو من الغرابة بمكان المنهج الذي تتعامل به وزارة العدل و كذا إدارة الضرائب مع مهنة المحاماة بأن أنزلتها منزلة السوق ، و التلويح بالعديد من الجزاءات في أفق إقرار نظام ضريبي خاص بها، و ما يزيد من استغرابنا هو ما تضمنته مقتضيات مشروع قانون المالية لهذه السنة من منهج جبائي فريد لا يراعي خصوصيات المهنة ، و جاء في صيغة المصاريف القضائية بل و ملازما لها ، و هو نظام ضريبي اعتبره المحامون قاسيا ، و خرج من حضن الوزارة دون إشراك الهيئات التمثيلية للمحامين في صياغة و إعداد بنوده  .

هذا المنهج الذي سلكته وزارة العدل و رديفتها وزارة المالية ، و إن بدا محتشما فهو يوحي بأشياء كثيرة بالنظر إلى الصيغة الفضفاضة و المبهمة لمجمل مقتضياته، في أفق الوصول إلى غاية إخضاع كل المعاملات المهنية للتصريح و الضريبة ، و ذلك بابتداع أساليب جديدة و غير مسبوقة في المجال الضريبي و التي أسمتها  الوزارة لأول مرة في التاريخ مسبقا للضريبة ، فعلى أي أساس نخضع الملزم هل على أساس الدخل المفترض ، أو عن القضايا التي لا تعتبر بأي حال من الأحوال دخلا حقيقيا ، و لا ينتج عنها دائما دخلا بمفهوم الدخل التجاري ، و بالتالي فان المنطق المعتمد هنا مؤسس على افتراض دخل غير محقق ، فكما هو معلوم فان العديد من الملفات يتحملها المحامي بأعبائها و مصاريفها ، كقضايا حوادث السير ، و النفقة ، و الشغل ، دون أن نغفل عن مصير هذا المسبق في حال تصالح الطرفين بعد إيداع المقال ، أو حين يتنازل المحامي عن نيابته قبل نهاية القضية ، أو في حال ما إذا أعلنت نيابته خطأ في ملف معين ، أو في حال صدور حكم نتيجة خطأ قضائي ، و تستوجب تقديم دعوى إصلاح خطأ مادي  ، أو في حال القضايا المعفاة قانونا من أداء الرسم القضائي ، أو في حال العقود التي يبرمها المحامي مع الشركات أو المؤسسات العمومية و يتقاضى فيها أتعابا شهرية أو سنوية عن مجهوده … ، و هي كلها أمور وجب إخضاعها للترويض قبل التضريب.

أكيد أن الأسلوب الذي سلكته إدارة الضرائب من أجل التغلغل في جسم مهنة المحاماة قد انطلق بجس النبض ، و ذلك بنهج أسلوب الاختيار  أولا  بمنح المحامين فرصة الانخراط في الجداول الضريبية و الذي حددت له الوزارة المعنية سقفا ما بين ثلاثون ألف  و خمسون ألف درهم ، و هذا أسلوب في ظاهره  لا يخلو من إيجابيات مهمة خاصة بالنسبة للمكاتب الكبرى التي تربطها اتفاقيات وعقود مع البنوك وشركات التأمين، وهي مكاتب محدودة ومعدودة بالمقارنة مع الغالبية العظمى من المحامين لاسيما الشباب منهم الذين قد تعصف مسطرة تصحيح أسس الضريبة بمكانتهم كطبقة وسطى  بالمفهوم الاقتصادي ، مما سيساهم في إضعاف القدرة الشرائية و تأزم وضعية فئة مهمة داخل بنية المجتمع.

هنا لابد أن نضع الإشكال في سياقه الحقيقي ، إذ لا يمكن فصل واقع مهنة المحاماة عن الواقع الاقتصادي و الاجتماعي العام في البلد ، و علاقة بذلك فمن المحامين من هم تحت عتبة الفقر، و عدد منهم غارق في الديون والأمراض والهشاشة، وبعضهم يمارس المحاماة المعيشية، وبالتالي فمن غير العدالة الضريبية في شيء أن تفرض قاعدة واحدة و موحدة على الجميع بدون استحضار للتفاوتات في الدخل كانعكاس طبيعي لعدم المساواة في الحصول على الملفات ، أما الذين يعتقدون أن جميع المحامين أغنياء و يراكمون العقارات والمنقولات ويودعون أموالهم في الملاذات الآمنة، فما عليهم إلا أن يقوموا بجولة في المحاكم وأن يصغوا السمع عن حكايات الفاقة والحاجة التي تحيق بالمهنة.

و باعتبار مهنة المحاماة تتربع على عرش المهن القضائية المنظمة ، فان الحديث عن أي إصلاح عميق وشامل لمنظومة العدالة لابد له أن يمر عبر تأهيلها باستحضار الأعطاب والمعيقات التي تواجهها بالاستئناس طبعا بتجارب دول رائدة ، وأضحى هذا الرهان ذو طبيعة ملحة فرضه منطق العولمة ، فالتخلف عن الركب و التقوقع عن الذات سيؤدي إلى إفلاس هذا القطاع ، خاصة أمام الزحف المنتظر للمكاتب الأجنبية ، و ابتداع وسائل بديلة لفض النزاعات خارج مرفق القضاء ، و خارج مكاتب المحاماة ، فكان على وزارة العدل أن تنكب – بالموازاة مع انشغالها بإخضاع المحامي للضريبة – عن البحث في أسباب التحولات  المتسارعة التي عرفتها المهنة  ، و وضع السيناريوهات و البدائل الممكنة أمام صناع قرار التنمية في وطننا العزيز حتى تعتمد دراساتها كمرجع  في ذلك ، لأن الخوض في واقع مهنة قبل استجماع العناصر الكافية عنها سوف يعقد مشروع التنمية و يؤزم واقع المنتسبين إليها .

و بالنظر إلى الهواجس المتحكمة في تبني هذا الأسلوب الضريبي الجديد الذي يجري الإعداد له و التي تبقى اقتصادية بالدرجة الأولى ، فان المشرع المغربي يكون قد ساير في ذلك تجارب بعض الدول كفرنسا مثلا التي تعتبر المرجع الأساسي لمجمل القوانين الوطنية ، حتى و إن كانت معطيات المقارنة بينهما غير متوازنة أمام تباين شروط الممارسة المهنية بين البلدين .

و إلى حد ما كذلك التجربة المصرية التي لجأت هي الأخرى إلى إعادة النظر في الضريبة المفروضة على المحامي ، و ذلك بعدما وقع نقيب المحامين السابق في مصر الأستاذ سامح عاشور يوم 29 مارس 2017 بروتوكول تعاون مع وزارة المالية ومصلحة الضرائب بشأن تحصيل ضريبة القيمة المضافة من المحامين، و تضمن البروتوكول  تحصيل 20 جنيها قطعية للدعاوى أمام المحاكم الجزئية، و40 جنيها قطعية للدعاوى أمام المحاكم الابتدائية، و60 جنيها للدعاوى أمام محاكم الاستئناف، و200 جنيه تحت الحساب للدعاوى أمام محاكم النقض والدستورية والإدارية العليا.

و على اثر هذا القانون أصبح المحامي المصري ملزم بتقديم إقرار عن ضريبتي الدخل والقيمة المضافة نهاية العام لمأمورية الضرائب المختصة مرفق بالمستندات الدالة على السداد، وبذلك أعفي المحامى من الإقرار الشهري الذي نص عليه القانون القديم ، و ستستخلص وزارة العدل من خلال موظفيها بالمحاكم ضريبة القيمة المضافة، لتنقطع صلة المحامى بمسئولية التسديد المنصوص عليها قانونا.

وتأتي هذه الضريبة طبقًا لأحكام القانون رقم 67 لسنة 2016، والذي ألزم مقدمي الخدمات  المهنية والاستشارية بالتسجيل بمصلحة الضرائب المصرية (ضريبة القيمة المضافة) مهما كان حجم معاملاتهم، ومن المعروف أن البروتوكول المعمول به بين نقابة المحامين المصرية و وزارة المالية والضرائب سوف ينتهي بعد عام من توقيعه، فتم  توقيع بروتوكول آخر بتاريخ 16 سبتمبر 2018 و الذي سيظل ساري المفعول هو الآخر لمدة سنة واحدة ، وتم الإبقاء على نفس المبالغ التي تم الاتفاق عليها في البروتوكول السابق، إلا أنه  ومنذ بداية شهر مايو 2020، أصبح المحامون تحت مظلة تطبيق نصوص أحكام وعقوبات قانون القيمة المضافة.

يذكر أن هذا القرار كان موضوع دعوى قضائية تقدم بها أحد المحامين المصريين  أمام المحكمة الدستورية العليا في سبتمبر 2017 وطالب فيها ببطلان الفصلين 16 و41 اللذان أحالا إلى البند 12 من الجدول المرفق الذي ينص على نسبة الضريبة على “الخدمات المهنية والاستشارية” المطبقة على المحامين.

و إلى حد ما كذلك التجربة التونسية  التي كانت هي الأخرى على موعد مع التاريخ بعدما تقدمت الحكومة التونسية بمشروع قانون مالي يقضي بإخضاع أتعاب المحاماة للضريبة ، و سنت لذلك مقتضيات عن المبالغ الواجب أداؤها و كيفية استخلاص الضريبة ، و سايرت في ذلك نفس التوجه الذي اعتمده المشرع المصري ، إلا أن مشروع قانون المالية لسنة 2017 الذي مهد لهذه التعديلات قد خلق جدلا واسعا داخل المجتمع التونسي ، و خاصة في صفوف المحامين الذين انخرطوا في عدة أشكال نضالية ، تمكنت في الأخير من فرض تعديلات جوهرية على المشروع بإلغاء الفصل 29 من قانون المالية المتعلق بفرض ضرائب جديدة على المحامين ، و ذلك من داخل قبة البرلمان التي أسقطت هذا المشروع بأغلبية ساحقة ، و استفادت مهنة المحاماة في ذلك من التمثيلية المهمة للنواب المحامين في البرلمان التونسي.

هذا وينص الفصل 29 المذكور على فرض رسم ضريبي على كل أعمال المحامين من قضايا وعقود يحررونها، يقدر بـ60 ديناراً (حوالي 27 دولاراً )، و في الأخير تم التوافق بين جميع الفرقاء على توحيد الأنظمة الجبائية للمهن الحرة في تونس (المحامون والأطباء وغيرهم) ضمن الفصل 30 من قانون المالية لسنة 2017.

وفي نظرنا يبدو المنهج المعتمد في مصر هو الأقرب إلى الواقع بمقارنته مع مقتضيات مشروع قانون المالية المغربي ، و ذلك بإشراك نقابة المحامين في صياغة و إعداد المقتضيات المناسبة في الضريبة على مهنة المحاماة ، و كذلك باعتماد منطق التدرج في التطبيق ، و أيضا بالنظر إلى كون الضريبة في مصر تؤدى مع مقال الدعوى بصفة قطعية دون مراجعة منتظرة ، وفق المبلغ المحدد لها سلفا و بحسب درجات التقاضي ، و ليس بمنطق المسبق الذي تحدث عنه المشروع ، و بالتالي وجب الحسم في تحديد المبلغ الواجب أداؤه بشكل قطعي و نهائي مع مقال الدعوى دون أية مراجعة أو محاسبة لاحقة ، بشكل يراعي طبيعة القضايا و نوعها ، و يأخذ بعين الاعتبار باقي المعطيات التي سبق الإشارة إليها و التي يجب أن تستحضر خصوصيات المهنة.

وإذا كانت المحاماة في المغرب قد ظلت وفية لقيمها في العطاء ، و هي تفتح أبوابها للجميع بكل سخاء، وتساهم في امتصاص بطالة حاملي الشهادات خلافا لبعض المهن الحرة الأخرى التي ظلت نخبوية، فإنه من الإجحاف أن  نخضعها لنفس المنطق الضريبي الذي تخضع له هذه المهن ، لأسباب موضوعية صرفة مرتبطة أساسا بما يلي :
– كثرة المنافسة في مجال المحاماة لاتساع قاعدة الممارسين التي تعد بالآلاف خاصة أمام الأفواج الكبيرة التي استقبلتها المهنة في السنوات الأخيرة.
– انتشار ظاهرة الاحتكار بشكل مريب .
– ظهور العديد من المهن الهامشية التي تعيش على فتات هذه المهنة كمكاتب التحصيل و الكتاب العموميين و غيرهم.
– ابتداع بعض الوسائل البديلة لفض النزاعات خارج مكاتب المحاماة، و خارج مرفق القضاء.
– تداعيات ترسبات و تراكمات العديد من المشاكل البنيوية التي تتخبط فيها مهنة المحاماة ، و التي نتجت عن قرارات عشوائية للمجالس المتعاقبة بتأجيل الأزمات و تصديرها زمانيا ، و التي تحتاج بدورها إلى المعالجة الآنية.

على أن الطابع الخصوصي لمهنة المحاماة كرسالة سامية رغم ما تتعرض له من انتكاسات و ضربات داخلية بأيادي ظالمة و هي منها بريئة، منحت الفرص للآخر ليتحدث عنها بسوء ، فإن الإشكال عند الحديث عن ضريبة المحاماة يتأسس على صعوبة في تحديد المقصود بالدخل المهني في علاقته بالربح ، لأن الأتعاب لا تعد بأي حال من الأحوال ربحا ، فإذا كانت الحصيلة الخاضعة للضريبة هي ما زاد من العائدات على التكالیف في السنة المحاسبیة التي وقع الالتزام بھا أو تحملھا، فان ذلك يقتضي توسيع مفهوم الأعباء المهنية ليشمل مصاريف التنقل، و كل المصاريف اليومية الملازمة لعمل المحامي، والمطبوعات، وغيرها وتحديدها بدقة ، و لم لا السعي إلى  إقرار إعفاء جبائي لمدة لا تقل عن خمس سنوات من الترسيم للمحامين المبتدئين الذين يكابدون يوميا لتدبير ندرة الملفات في ظل واقع يتسم بالاحتكار و عدم تكافؤ الفرص.

كما يجب علينا التفكير بشكل مستعجل في توفير تغطية صحية ناجعة للمحامي ولعائلته ، تغطية تقيه شر نوبات الزمن ، و هنا أتساءل شخصيا لماذا لا تفكر الوزارة بمنطق آخر بالعمل على ضمان تقاعد مريح للمحامي ، و ذلك بإحداث صناديق للتقاعد خاصة بالمهن الحرة مثلا و بمساهمة من الدولة في التمويل و الإدارة ، أو على الأقل دعم الدولة للمبادرات الاجتماعية لبعض الهيئات، بدلا من إثقال كاهله بالضرائب والتلويح بمراجعة التصاريح المقدمة في شأنها ، فلا ضريبة بدون دخل ، خاصة و أن الوزارة  تدرك جيدا أن قاعدة هرم هذه المهنة تتوسع بشكل رهيب  ، و بالتالي فنحن في حاجة أولا لتصفية أجواء الممارسة المهنية ، و تحرير المهنة من قبضة ثلة قليلة لا تملك سلطة العلم و المعرفة لوحدها ، و إخضاع سوق المنافسة  المهنية لشروط موضوعية و أخلاقية  تحترم الأسس و الثوابت التي خلدتها هذه المهنة ، آنذاك يمكننا القول بأننا نؤسس لممارسة مهنية في مستوى رسالة المحاماة ، و آنذاك سوف تنضج الشروط الموضوعية لفرض الضريبة على الأتعاب ، و التي تبقى التزاما على عاتق المحامي و يتعين الوفاء به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *