متاهة

                                                                                                                                                                                                                نافذة تنفتح على الكوريدور ،ينبعث من شقوقها ضوء يكاد لا يرى. نقرتها نقرة خفيفة تكاد لا تسمع هي الأخرى. أعدتها مرتين وثلاثة ،جاءني صوت كأنه يخرج من الواح السومريين ،به حشرجة لا تبغي مفارقة الحنجرة ،فهمت منها أنها ارتخاءة القيلولة ،بعد لأي فتح الباب وأطل منه هيكل بلحية اشتعلت شيبا واخاديد في الوجه نحتتها السنون. 
سلمنا كأننا غريبين في محطة قطار في إحدى القرى الأوربية .كل شيء غريب ومريب ،السلام بطيء والابتسامة تتمنع في الصعود إلى المحيا كأنها تنتظر ايماءة من القلب لتقفز جدلى الي العيون ،وخوفا من سكون الزمن بادرته اندخل لنحكي ،؟بعد تردد منه وريبة اه اه تفضل رميت رجلي وتجاوزته مخافة ان يراجع قراره. انتبه الي بروده القاسي فنفض بيده على كرسي خشبي يميل إلى الصفرة وهو الشيء الوحيد فاتح اللون في الغرفة الضيقة. قال اجلس ،لكني فضلت ان أترك له المكان واخترت التخت ومكان نومه للجلوس. وأنا الملم أفكاري لابدا الحديث ،كان يفرك ملامحه باصابعه حتى يبدد ثقل اللحظة التي لم يكن ينتظرها ،لقائي أنا. بادرته لحيتك والقبعة التي تضع فوق رأسك ذكرتني برواية الشيخ والبحر .أفرج عن نصف ابتسامة فاترة ،اه تشبه اللوحة التي كانت تتوسط غرفة الجلوس في بيتك القديم. قلت تماما ،.وأنا أبحث عن الجملة أو الفكرة الأخرى حتى يسترسل الحديث ،رفعت عيني الي السقف لأني كنت أنظر طيلة الوقت وأنا أحادثه الي حذائي مخافة ان تلتقي عينانا ،ولأول مرة أنتبه الي شكل حذائي وما علق به من ندوب وبدأت أسرح في بديل عنه. قلت نطرت الي السقف فعبرت بنظري على لوحة رصينة،جادة. .لم اكمل الصعود بنظري الي السقف وتوقف زمني عند ساعة يدوية تكاد لا ترى. 
سألته ما عنوان اللوحة نظر إليها وكأني نكات جرحا ،فأجاب بتنهيدة مدفونة في مقبرة أور قاعة الإنتظار. قلت أنتظار ماذا ،أجاب انتظار ان أتغير أنا وأن يتغير الحاضر وأن يتغير المستقبل. فأنا أنتظر من عهد السومريين الي الآن. قلت لم أفهم ما ترمي اليه ،قال انظر إلى غرفتي كل قطعة فيها جامدة منذ الخليقة الألوان ،الآلات الموسيقية اللوحات في الجدران أو داخل اطاراتها ،ملابسي المعلقة كأنها الخلود ،ملامحي التي تحجرت منذ العصر الجليدي .
صمت وطال صمتي وبدأت افرك ملامحي درءا للحرج وقتلا للوقت وتذكرت درويش ومديح الظل العالي وتماهيت مع القصيدة ولم أعرف كيف لفطتني الغرفة المعتقة كنبيذ في دير قديم.

بعدما لفظتني الغرفة المعتقة كنبيذ يحرسه كاهن في دير
 جبلي قديم ،وجدتني في الزقاق لا الوي على شيء. اتلفت حولي بشكل دائري وكأني أرقص رقصة الدراويش ويصدر مني صوت متقطع أردته منولوجا داخليا لكنه يأبى ان يظل حبيس الضلوع. انزعج من هذه اللغة غير المفهومة والمتقطعة التي تعكس تمزق الدواخل ،وهلوسة الندم كمن به حمى. 
كانت اللحظة مظنية ،وأنا ما زلت أدور حول نفسي ،واسائلها ،أين كنت كل هذا الوقت حتى حفر الزمن اخاديد في وجه الرجل واشتعل الرأس شيبا وتابط كل هذا الصبر وصاحب التمزق ،ولبس كل هذه الألوان الغامقة وجلس في قاعة الإنتظار ،حتى استحالت الساعة في يده دقيقة. 
في حمأة التشظي توزعت بين ملامح الشيخ والبحر وبين لوحة الإنتظار. اختلطت علي الامتدادات ومسكت رأسي بين يدي حتى أقر على قرار. هل اللوحة هي من فجرت شلال الندم في داخلي ام ما حفره الزمن من اخاديد في ملامح صاحبي .
بعد لأي أدركت أني أبتعد عن كنه المشكلة. المسألة اني تهت في الدنيا وطوحتني المرافيء البعيدة ،ونسيت في غمرة اللهاث على عوالم أخرى ،نسيت أن لي صاحبا مركونا في غرفة ضيقة غامقة الألوان معتقة كنبيذ خزنه كاهن في دير جبلي قديم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *