في لحظة تبدو فيها خيوط الملفات القضائية متشابكة بين ضفتي المتوسط، أعاد توقيف مغني الراب ميتر جيمس بالعاصمة الفرنسية باريس، على خلفية شبهات تبييض الأموال ضمن شبكة منظمة، فتح ملف ظل يراوح مكانه بمدينة مراكش، ويتعلق بأحد المقربين منه، المدعو “ي.أ”، الذي يوصف بذراعه الأيمن، والذي كان إلى عهد قريب وكيل أعماله، في قضية تتداخل فيها الأبعاد المالية والقضائية، وتطرح في عمقها تساؤلات حول مسار العدالة.
هذا التطور الدولي أعاد تسليط الضوء على شكاية مفصلة معروضة أمام الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمراكش، تخص لاعب المنتخب الوطني السابق العربي الجدياوي، الذي كان قد أودع سجن لوداية، قبل أن تكشف معطيات جديدة عن وقائع مغايرة لما استقر عليه الحكم.
الشكاية الجديدة، المدعومة بأدلة صوتية موثقة، تشير إلى تسجيل مكالمتين هاتفيتين جرتا يومي 4 و10 دجنبر 2025 بين شقيقي اللاعب العربي الجدياوي والمدعو “ي.أ”، وذلك بعد فتح التحقيق المرتبط بالشكاية ، والتي تتعلق بأفعال الرشوة و النصب وخيانة الأمانة والفساد. وقد تم تفريغ هذه التسجيلات في محضر رسمي من طرف مفوض قضائي محلف، ما يمنحها قوة إثباتية مهمة في مسار التحقيق.
وبحسب مضمون الشكاية، فإن هذه التسجيلات تتضمن اعترافات وصفت بالخطيرة، حيث يقر المعني بالأمر صراحة باستيلائه على مبلغ مالي مهم يناهز 146 ألف يورو، مؤكدا أن النزاع القضائي لم يكن ليبلغ هذا المستوى لولا قيام الطرف الآخر بالتبليغ عنه، بل ويعترف بأن المسطرة الجنائية التي تم تحريكها لا تستند إلى أساس قانوني، وإنما جاءت كرد فعل انتقامي.
كما تكشف التسجيلات عن محاولات واضحة للابتزاز، من خلال عرض التنازل عن متابعة القضية مقابل الحصول على فيلا، إضافة إلى تلميحات صريحة بشأن القدرة على التأثير في مجريات العدالة، بما في ذلك التدخل لإلغاء الطعون بالنقض أو تمكين اللاعب من مغادرة السجن عبر عقوبة بديلة مثل السوار الإلكتروني.
وتورد الشكاية أيضا أن هذه المكالمات تضمنت ضغوطا متواصلة على اللاعب العربي الجدياوي من أجل التنازل عن الشكاية التي سبق أن تقدم بها بتاريخ 19 يونيو 2025 لدى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية، فضلا عن تهديدات مباشرة طالت زوجته، من بينها التهديد بإدخالها السجن وطردها من منزلها، وهو ما اعتبرته العائلة سلوكا خطيرا يستدعي تدخلا عاجلا.
وفي السياق ذاته، تشير الشكاية إلى أن المعني بالأمر العربي الجدياوي خضع للاستماع من طرف الفرقة القضائية بمراكش بتاريخ 5 دجنبر 2025 بحضور مترجم، قبل أن يتم إحالة محضر الاستماع إلى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية في السادس من الشهر نفسه، غير أن المثير للاستغراب، وفق ما ورد في الشكاية، هو أن الطرف المشتكى به لم يتم استدعاؤه بعد للاستماع إليه، رغم خطورة المعطيات ودقتها.
وتطرح الشكاية تساؤلات صريحة حول مسار هذا الملف، معتبرة أن البطء في اتخاذ الإجراءات اللازمة لا يتناسب مع حجم الوقائع المعروضة، خاصة في ظل توفر أدلة مادية موثقة، ما قد يشكل إخلالا بمبدأ السرعة والنجاعة في معالجة القضايا الجنائية.
وفي ضوء هذه المستجدات، تطالب العائلة باتخاذ إجراءات عاجلة، تشمل استدعاء المعني بالأمر للتحقيق معه بشأن الاعترافات المنسوبة إليه، مع إصدار قرار بمنعه مؤقتا من مغادرة التراب الوطني، بالنظر إلى حمله لجواز سفر فرنسي، وهو ما قد يطرح احتمال الفرار.
كما تدعو الشكاية إلى إعادة النظر في الحكم الصادر، معتبرة أن إدانة العربي الجدياوي استندت أساسا إلى قناعة المحكمة دون وجود دليل مادي تقني مباشر، في حين أن التسجيلات الجديدة تقدم معطيات قابلة للتحقق من شأنها تقويض الأساس الذي بني عليه الحكم.
وتؤكد الشكاية أن استمرار اعتقال المعني بالأمر في ظل هذه المعطيات الجديدة يشكل مساسا بمبدأ قرينة البراءة، مطالبة بمراجعة وضعيته القانونية بشكل عاجل، في انتظار نتائج التحقيقات بشأن الوقائع والاعترافات الواردة في التسجيلات.
وفي هذا السياق، أفادت معطيات خاصة بأن التسجيلات الصوتية، إلى جانب مقاطع فيديو مرتبطة بالملف، من المرتقب أن تزيد من تسليط الضوء على تفاصيل القضية، وتضع معطيات إضافية أمام الرأي العام والجهات المختصة.
وفي موازاة ذلك، جاءت تطورات باريس لتضفي بعدا أكثر تعقيدا على القضية، حيث تم توقيف ميتر جيمس من طرف عناصر الجمارك القضائية الوطنية فور وصوله إلى مطار شارل دوغول، بناء على إنابة قضائية صادرة عن قضاة تحقيق، وتحت إشراف النيابة العامة المختصة في قضايا الجريمة المنظمة.
وتفيد المعطيات الأولية بأن التحقيق يتعلق بشبكة دولية تعتمد على إنشاء شركات في عدة دول، بهدف التلاعب بالضرائب، خاصة الضريبة على القيمة المضافة، وإصدار فواتير وهمية، إضافة إلى تبييض أموال متحصلة من أنشطة غير قانونية. كما كشفت التحقيقات عن تورط خمسة أشخاص يشتبه في كونهم تجار مخدرات سابقين تحولوا إلى أنشطة مالية مشبوهة.
ومن بين النقاط التي تخضع للتدقيق أيضا مشروع عقاري فاخر بمدينة مراكش، كان الفنان يروج له، وهو ما يعزز فرضية وجود امتدادات مباشرة بين ما يجري في فرنسا وبعض الأنشطة المرتبطة بدائرته المقربة داخل المغرب.
هذا التداخل بين مساري التحقيق في باريس ومراكش يطرح تساؤلات جوهرية حول إمكانية أن تقود هذه المعطيات إلى إعادة تحريك الملفات العالقة، ويضع العدالة أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرتها على فرض مبدأ المساواة أمام القانون، دون تأثر بنفوذ أو علاقات أو ادعاءات بالارتباط بشخصيات نافذة.
وفي نهاية المطاف، فإن الأمر لا يتعلق فقط بملف قضائي معزول، بل بصورة العدالة نفسها، وبمدى قدرتها على أن تكون واحدة للجميع، دون تمييز أو ازدواجية في المعايير، في وقت أصبح فيه الرأي العام أكثر وعيا وإصرارا على أن يرى القانون يطبق على الجميع دون استثناء.

