قراءة في كتاب « في التصنيع واقتصاد ومجتمع المعرفة بالمغرب » لمؤلفه عبد العالي بنشقرون

قراءة في كتاب « في التصنيع واقتصاد ومجتمع المعرفة بالمغرب » لمؤلفه عبد العالي بنشقرون

 

نود أولا إيراد ملاحظة مبدئية من أن إشكالية التصنيع والتنمية عموما، وباعتبار التطورات العالمية وسياق الأزمات والحروب، وكذا صعود اليمين العالمي الغربي، كلها عوامل تفرض ضرورة حيوية خيار المشروع المغاربي والعربي (مع العمق الافريقي)، مهما كانت الصعوبات والأخطاء والحساسيات، اعتبارا للمشترك التاريخي واللغوي والثقافي، وذلك لتوفير الكتلة الاقتصادية الموضوعية الحرجة للإقلاع التنموي الجهوي، وكما تفرض أيضا مراجعة استراتيجيات التحالفات الدولية لتفعيل هده المهمة التاريخية..

في التغيير الديمقراطي والحوكمة وِشروط التنمية السيادية

بادئ دي بدء، يجذر التسجيل أنه من أجل التوجه صوب تحقيق التصنيع السيادي، فإن إشكالية امتلاك التقنيات والتكنولوجيا الأساسية والمتطورة، يعد أمرا حيويا لطموح احتلال مكانة مهمة عالميا، مجتمعيا واقتصاديًا وصناعيًا وثقافيا. كما نود أن نذكر كون المجتمع الذي يفترض أن يتطور إلى مصاف الأمم الرائدة، لا يمكنه ذلك دون إحلال وصيانة ثقافة حقيقية للحريات والمواطنة وحد أدنى من الحياة الكريمة لشعبه وإرساء دعائم دولة العدل والقانون. إذ يجدر التأكيد بضرورة العمل المتظافر والمدروس وابتكار كل المبادرات التي تعزز النقاش الوطني لتحقيق ذلك. وإن هذا المؤلف يحاول استكشاف ودراسة التحديات التي تواجهنا في التطلع إلى مجتمع مزدهر ومنصف للجميع.

لقد حاول الكتاب تناول بعض القضايا الجوهرية، منها إشكالية النهضة في المدرسة والجامعة العمومية، التي من شأنهما أن تلعبا دوراً محورياً في النهضة الوطنية والاندماج الاجتماعي والمواطنة ونشر قيم الديمقراطية وحقوق المواطنين ومسؤولياتهم. تمامًا كما تلعب دورًا مركزيًا في الابتكار من خلال تعزيز الإبداع والتفكير النقدي والمنطقي، وفي ديناميكية التقدم الاجتماعي والاقتصادي والصناعي والرقمي.

وفي نفس السياق يتناول الكتاب إشكالية « الحوكمة » أو التدبير الرشيد، ويناقش الأهمية الحيوية لمكافحة الفساد لتعزيز الثقة وضمان شروط منعطف النهضة التنموية، بتخصيص موارد الدولة بشكل أفضل وعقلاني ومنتج، للقطاعات الاجتماعية والصحة والتعليم والبنية التحتية والخدمات على كل المستويات. ومن خلال مكافحة آفة الفساد، يلزم أن يحسن المغرب مناخ الاستثمار ويعزز ثقة رجال الأعمال، ويعزز الإنصاف والعدالة الاجتماعية والعدل، ويقوي المؤسسات، ويحسن الخدمات المقدمة للسكان من أجل العيش الكريم وخلق فرص الشغل في سيرورة تنموية صوب التشغيل الكامل    Plein emploi    ومكافحة التفاوتات الاجتماعية والمجالية وتسخير التقدم التكنولوجي لرفاهية الفرد والمجتمع ككل.

ثقافة وسياسة الإبداع وطموح التصنيع السيادي

وعلى الرغم من بعض النمو الكمي للصناعة، يواجه المغرب تحديات كبيرة من حيث البطالة، وبطالة الشباب والخريجين على وجه الخصوص. إذ أن الصناعة تتميز إجمالا بعدم القدرة على خلق ما يكفي من مناصب الشغل الماهرة في الصناعة، مما يحد من إمكانيات التنمية الصناعية والاقتصادية. علاوة على ذلك وفيما يتعلق بالبيئة، تواجه الصناعة المغربية تحديات بيئية كبيرة، من حيث إشكاليات ومخاطر التلوث وتدبير النفايات واستخدام الموارد الطبيعية. ويتطلب هذا الأمر اعتماد جاد لممارسات صناعية صارمة في مجال الصناعة الصديقة للبيئة، لتجنب المزيد من تدهور البيئة.

ولمواجهة هذه التحديات وتحسين القدرة التنافسية العالمية للصناعة، فإن المغرب يفترض أن يرفع بشكل كبير من مستوى الاستثمار في الابتكار والبحوث والتطوير، وأيضا في البنية التحتية وتدريب القوى العاملة والإصلاحات الهيكلية، التي تهدف إلى تحسين « الحوكمة » وتعزيز بيئة أعمال أكثر ملاءمة.

وإن اعتماد المناولة من الباطن التي تطبع الوضع الصناعي، يجعل الصناعة المغربية في وضعية تبعية معينة لمراكز قرار الشركات الدولية الأجنبية، مما يعكس ويفسر انخفاض مستوى امتلاك التكنولوجيا، ويؤثر سلبيا على التنمية الاقتصادية العامة وعلى السيادة الصناعية والاقتصادية الوطنية للبلاد. إذ باعتمادها على مراكز القرار الأجنبية والشركات متعددة الجنسيات والتعاقد من الباطن، تصبح الصناعة المغربية عرضة للتقلبات في السياسات والاقتصادات الأجنبية، وبالتالي يحد من قدرة المغرب على التحكم في تنميته الاقتصادية.

إن استراتيجيات التعاقد من الباطن، والنقل المحدود للتكنولوجيا، تؤثر على إنتاج القيمة المضافة الصناعية. فمن خلال الاعتماد على مصادر خارجية في عدد من الأنشطة الصناعية، بالاكتفاء بالمناولة الباطنية ضمن الشركات المتعددة الجنسيات، من خلال هذا التوجه، فإن المغرب يبقى أقل قدرة على الوصول إلى التقنيات والتكنولوجيا المتطورة، تظل صناعته متواجدة فقط في قطاعات الإنتاج ذات القيمة المضافة المنخفضة. إذ يشكل التنقيل المحدود للتكنولوجيا عائقاً أمام تملك التكنولوجيا وأمام تطوير المهارات والعمالة المغربية. وهذا يقلل من قدرة البلد على الابتكار والتوجه نحو صناعات أكثر تقدماً وتنافسية فأحرى التقدم صوب اقتصاد تكنولوجي أو اقتصاد ومجتمع المعرفة.

في التصنيع والطيران وطموح تصنيع محركات وإلكترونيات القطاع :

فقبل نقاشنا لقطاع الطيران، يمكن قول ملاحظة في تصنيع السيارات الكهربائية والأثر البيئي، نظرا للأهمية التي يحتلها هذا القطاع باضطراد. إذ في الحقيقة، وبغض النظر عن إشكالية الأثر البيئي لإنتاج البطاريات، ونظرا للتوجه العام العالمي في قطاع السيارات والطاقة، التي ستكون أكثر استعمالا بالمركبات لاحقا على المدى المتوسط والبعيد، فإن مستقبل صناعة السيارات الكهربائية في المغرب، بالنظر إلى مقدرات البلاد في إنتاج البطاريات ضمن صناعاته ومؤهلاته، والشراكات التي أقامها مع دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وبفضل طموحات المغرب في مجال التنمية المستدامة وموقعه الاستراتيجي، لكل ذلك، فإن المغرب يوجد في وضع جيد يؤهله ليصبح لاعباً مهما عالميا في قطاع السيارات الكهربائية.  خاصة أنه دخل مجال تطوير الإنتاج المحلي للبطاريات وبناء بنية تحتية قوية لإعادة شحن البطاريات وتحفيز الطلب المحلي.

ونعود لقطاع الطيران في المغرب، والذي أصبح صناعة مهمة وواعدة في السنوات الأخيرة. وقد طور المغرب سياسة جذب عدد من المستثمرين، مغاربة وأجانب، في القطاع. وهي سياسة تعمل على تحويل المغرب إلى مركز مهم لصناعة الطيران على مستوى أفريقيا، بإقامة وحدات لتصنيع عدد من المكونات، في بيئة تنافسية في القطاع ضمن المناطق الصناعية، خاصة في منطقة « ميدبارك »   Midpark  بمطار محمد الخامس ، وأيضا بتوفير عمال وتقنيين مهرة بكلفة أجور منخفضة. علاوة على أن المغرب يتمتع بالموقع الجغرافي القريب من أوروبا وأفريقيا، مما يشجع الاستثمار، لقربه من السوق الأوروبي والأفريقي معا، وأيضا يسهل خلق فرص العمل وترحيل التكنولوجيا للمغرب، واعتبارا للنسيج الصناعي الذي لا يستهان بتنوعه.

و يستجيب القطاع لطلبات المتعاقدين الدوليين الرئيسيين، ولا سيما « بوينغ » و »إيرباص »  Boeing et Airbus ، وكذلك شركة « بيلاتوس »  Pilatus السويسرية، وأيضا لعدد من شركات الطيران وشركات تصنيع المعدات مثل « سبيريت »،  Spirit  و »سافران »، Safran  و »سابكا »، Sabca  و »إكسيل »، Exel  و Thalès. ومع اعتزام وحدة   Pratt & Whitney ، البدء في إنتاج أجزاء المحركات، يفترض أن تزداد صناعة الطيران اندماجا بولوج وإقامة منظومة المحركات écosystème-moteurs ، إذ سنظل نراقب مدى بلورة هذا الاستثمار بالملموس في الاتجاه المطلوب.

علاوة على ما سبق، لقد أظهر معرض Air  Show بمراكش، أن المغرب يعمل على إقامة شراكات مهمة منها مثلا مع الشركة البرازيلية  Embraer  ، في مجالات عدة وضمنها مجال الدفاع الجوي بصفته ذي علاقة مع الأمن والدفاع عن حوزة البلاد. وأهمية هذا الاتفاق يأتي، إضافة لذلك، من كونه يمكن أن يعتبر نموذجا لتعاون استراتيجي جنوب/جنوب، وهو يدخل في إطار أوسع يشمل عدة أوجه وميادين اقتصادية وتجارية بين البلدين.

السؤال المهم الذي يجب طرحه هو بخصوص نسبة الاندماج في قطاع الطيران المغربي، من زاوية طموح إقامة قطاع سيادي في المجال؟ فهل يمكن أن نكون متفائلين عند هذا المستوى مع نسبة اندماج لا تتجاوز 43%؟  إذ تعتبر نسبة الاندماج في الصناعة المغربية بشكل عام، وفي قطاع الطيران بشكل خاص، معياراً مهماً لتحديد ما إذا كان القطاع يمكن أن يكون ذي تكثيف مهم إلى حد ما، يخول له المساهمة في تواجد « تشكيلة سيادية » لصناعة الطيران، مع الحد الأدنى من الاستقلالية، ضمن النسيج الوطني، خاصة في فترات الأزمات، أو أنه يتجه نحو وضع من مستوى أدنى من السيادة المطلوبة. إذ يشير مؤشر نسبة الاندماج هذا، إلى نسبة المكونات وعمليات الإنتاج المصنعة محلياً، بشكل تكاملي، وأيضا الى نوعيتها ومكانة القيمة المضافة التي تشكلها ضمن الطائرة ككل، هذه المكونات التي سيتم لاحقا دمجها وتركيبها في الطائرات من طرف شركات الطيران التي تقدم الطلبيات.

إن الخبرة العملياتية لتصنيع محركات الطائـــــــــــــرات، تعتبر صناعة معقدة، وهي تتطلب تكنولوجيا متطورة، واستثمارات كبيرة، خاصة فيما يتعلق بمعدات البنية التحتية لهذه الصناعة. ويُعد تحقيق هدف نقل التكنولوجيا وامتلاك التكنولوجيا في هذا المجال إلى المغرب، يعد تحدياً كبيراً وطموحاً، لا يمكن مواجهته إلا من خلال سياسة استباقية للشراكات المربحة للجانبين مع الشركات الرائدة، في المحركات النفاثة وفي الألواح والرقائق الإلكترونية، من خلال تعزيز القوة التفاوضية للبلاد، وتوظيف كفاءات الأطر العلمية والهندسية المغربية المهاجرة، للمساهمة في المجهود الصناعي التنموي النهضوي للبلاد.

في النهضة الصناعية والسيرورة صوب مجتمع المعرفة :

إن التحديات الاقتصادية الراهنة لم تعد تكمن فقط في الموارد الطبيعية أو في الصناعة وقطاعاتها التقليدية، بل أساسا في المعرفة والقدرة على حشد المادة الرمادية والأدمغة المدربة تدريبًا جيدًا والمتطورة للغاية، لتطوير البرمجيات والمكونات الإلكترونية فائقة التطور وكذا احتلال موقع مهم في مجال الذكاء الاصطناعي. فاليوم، أصبحت المعرفة والابتكار والقدرة على تعبئة المواهب ذات المهارات العالية في الإعلاميات والبرمجة والتطوير، أصبحت في صميم التنافسية الاقتصادية المعاصرة وتنمية الاقتصاد والمجتمع.

وتُعد الثورة الرقمية والمكونات والرقائق الإلكترونية فائقة التطور والذكاء الاصطناعي، تعد عناصر أو عوامل أساسية في الاقتصاد المعرفي الجديد. فالإشكالية اليوم تكمن في الانتقال إلى اقتصاد المعرفة ومجتمع المعرفة، المقرون بالتنافسية والابتكار التكنولوجي الضروري لاكتساب موقع ريادي على الساحة العالمية. إن الاقتصاديات المتوازنة والقائمة على المعرفة، تمتلك قدرة أكبر على التكيف والمرونة في مواجهة الطفرات الاقتصادية العالمية المتسارعة والتغير السريع للاقتصاد والمجتمع.

وبالموازاة مع تطوير الذكاء الاصطناعي والمكونات الإلكترونية، يعمل دمج التقنيات الرقمية في جل عمليات الإنتاج أو جميعها (الصناعة 4.0)، على تحويل وتطوير اشتغال القطاعات الصناعية التقليدية والاقتصادية عموما، بما فيها الزراعة وأيضا الخدمات، بحيث يتم باضطراد تعميم أتمتة  Automatisation المهام المعقدة، مما يزيد من مكانة وأهمية الكفاءة العالية في العمليات الإنتاجية للقطاعات، ويقلل من تكاليف الإنتاج.

 تصنيع أشباه الموصلات وامتلاك التكنولوجيا الفائقة :

وفي سياق إشكالية اكتساب الخبرة التكنولوجية، وأفق تحقيق مكاسب في بناء صناعة تكنولوجية مهمة، يفترض المغرب أن يتموقع في مجال صناعة المكونات الإلكترونية وأشباه الموصلات عالية الدقة والكثافة، لمسايرة التطورات التكنولوجية اللازمة لدعم توجه البلاد نحو مجتمع المعرفة. لذلك يلزمه تحقيق طفرة في هذا المجال، لتوفير شروط تحقيق النهضة الصناعية والاقتصادية والتنمية السيادية والاجتماعية.

وبتقييم القدرات الحالية وتحديد الفرص المتاحة، يتبدى أن البيئة التكنولوجية لازالت هزيلة، سواء في البنية التحتية التكنولوجية العامة، أو مختبرات الأبحاث والجامعات ومراكز البيانات ومؤسسات التعليم التقني، كما تشهد عليه ضآلة الميزانية المرصودة  للبحث والتطوير  (  0,7% PIB   من الناتج الداخلي الخام).

في حين أن الأطر المغربية تهاجر إلى الخارج، بعد ما أنفقت عليهم الدولة الكثير في الأقسام التحضيرية ومدارس وكليات الهندسة. مما يترجم العبث الذي وصل إليه التعليم المغربي وما وصلت إليه الجامعات وسياسة تـكوين الأطر والكفاءات. علما أن الدول الأجنبية توفر لهؤلاء الشباب الأكفاء والنابغين في الالكترونيات والمجالات المشابهة، توفر لهم بيئة محفزة للعمل و »الحياة الكريمة »، فينضافون إلى جيوش الخبرات المهاجرة. إذ أن الطلب الدولي على المكونات الإلكترونية وأشباه الموصلات قوي ويتنمى باضطراد، خاصة بحكم تنمية القطاعات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق الالكترونية، وإنترنت الأشياء، والجيل الخامس.. 5G  الخ..

رهانات التصنيع وأفق مجتمع المعرفة :

ويلعب قطاع « أشباه الموصلات » والتكنولوجيا المتقدمة والنانو تكنولوجيا دوراً محورياً في التحول الاقتصادي والانتقال إلى مجتمع صناعي قائم على المعرفة. وبالنسبة للمغرب، فإن هذه الصناعات يمكن أن تشكل إحدى الرافعات الاستراتيجية القمينة بأن تسرّع من وتيرة التنمية الصناعية والتكنولوجية والاقتصادية.

ويعتبر قطاع أشباه الموصلات والنانوتكنولوجيا صناعة رئيسية في الاقتصاد العالمي، بل أحد الأسس التي يقوم عليها المستقبل الصناعي ومجتمع المعرفة. إذ أنه يوفر الأساس لصناعة العديد من الأجهزة الإلكترونية مثل الهواتف والحواسيب والكتل الإلكترونية للسيارات والطائرات والبواخر والروبوتات ومختلف الآليات التكنولوجية والرقمية والمعدات الصناعية، وقلب مختلف المعدات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من أن المغرب ليس بعد لاعباً رئيسياً في إنتاج أشباه الموصلات، إلا أن لديه فرصاً للاندماج والانخراط في سلسلة القيمة العالمية لهذا المجال الحيوي. خاصة أن وحدات صناعية مثل شركة    ST Microeletronics  (  في بوسكورة  )، راكمت تجربة نوعية مهمة في هذا المجال،  ويفترض أنها ستعرف قريبا تطورا أهم عبر استثمارات ضخمة لاحقة.

ويشهد قطاع التكنولوجيا الفائقة  High Tech في المغرب نمواً مهما، أساسا بفضل عدد من المبادرات العمومية والخاصة. إذ أن رقمنة الاقتصاد، وصعود الشركات الناشئة Start ups  في مجال التكنولوجيا، وجذب الاستثمارات الأجنبية في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (TIC)،  كلها عوامل تساهم في هذه الديناميكية. لكن يبقى هذا التطور محدودا في أفق لم يصل بعد إلى مستوى إنتاج نوعي لما يشكل « قلب » التكنولوجيا الذي يتجسد في أشباه الموصلات المتوسطة أو العالية الدقة.

ويحتضن المغرب عددا من المراكز والأقطاب التكنولوجية، مثل القطب التكنولوجي بالدار البيضاء، وهي أقطاب تكنولوجية تدعم ظهور وتطور الشركات الناشئة  Start ups  المحلية في مجال التكنولوجيا. وتشجع هذه المنظومات الصناعية Écosystèmes الابتكار في قطاعات البرمجيات والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء. إذ أن عددا من شركات التكنولوجيا تستفيد من جاذبية الشركات متعددة الجنسيات ومن خبرتها، مثل ديل Dell و IBM   وهواوي   Hwawai. فهذه الشركات الكبيرة متواجدة بالمغرب، وتستفيد من بيئته المواتية للأعمال، ومن بنيته التحتية المتطورة نسبيا وأيضا من قربه من أوروبا. فهل من خلال تشكيلات هذه المنظومات الصناعية Écosystèmes  وتواجد هذه الوحدات الصناعية، ممكن انبثاق دينامية نوعية في الاتجاه المطلوب؟

أفق اقتصاد ومجتمع المعرفة ومخاطر الفجوة الرقمية

ويفترض أن يهدف مجتمع المعرفة في المغرب إلى ضمان استفادة عموم الناس من الفرص التي توفرها التكنولوجيات الجديدة. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات، بما في ذلك أساسا إشكالية الفجوة الرقمية. إذ على الرغم من أن المناطق الحضرية تستفيد نسبيا من البنى التحتية التكنولوجية الحديثة، إلا أن المناطق الريفية لا تزال تعاني من فجوة رقمية مهولة، علما أن مجمل ساكنة الأرياف يتوفرون على هواتف نقالة، يا للمفارقة… لذلك يبقى الإدماج المتسارع لجميع الطبقات الاجتماعية في التحول التكنولوجي، يعتبر أمرا بالغ الأهمية، لتجنب تفاقم الفوارق في هذا المجال. إذ أن توسع الفجوة الرقمية من شأنه أن يؤدي إلى انشطار المجتمع المغربي إلى مواطنين من الدرجة الأولى ومواطنين من الدرجة الثانية، وهذا وضع خطير على مستقل البلاد.  ووحدها الدولة التنموية الاجتماعية قادرة على حماية المغرب من هذا السيناريو المخيف، بوضع سياسة ومخطط عموميين هادفين في هذا المجال.

في مكانة العلوم الاجتماعية ضمن مجتمع المعرفة

في نفس سياق الرؤية النقدية العامة، يجدر طرح تساؤل مهم آخر يفترض ان تعيره الدولة التنموية الاجتماعية، و يعيره صناع القرار و المثقفون والمجتمع كافة كل الاهتمام. و حتى لا نقتصر في مفهوم مجتمع المعرفة على فهم تقنوي محض. إذ إنه إذا سقطنا في الفهم الضيق التقنوي لمجتمع المعرفة، وحيث أن الحاسوب والهواتف الذكية، تروج غالبا لأحجام هائلة من المضامين التافهة، يمكن أن نتساءل عن طبيعة « معرفة » مجتمع المعرفة هذا. فمثلا ما موقع العلوم الاجتماعية والإنسانية في منظومات هذه « المعرفة » المبتذلة المروج لها؟ فهل هذه العلوم ستصبح مهمشة، مقابل الأدوار الرئيسية التي تؤول للتكنولوجيات الجديدة والتي تعتبر أكثر فائدة « للنماء الاقتصادي »؟. مما يطرح إشكالية فلسفية ووجودية لصياغة نموذج المجتمع الذي نريده ومخاطر هذه القراءات التقنوية على المجتمع .

إذ أن العلوم الاجتماعية والإنسانية تبقى دائما هي التي تستطيع إلقاء الأضواء وتحليل وفهم الأثر والبعد الاجتماعي والثقافي لمظاهر المجتمعات بما فيها الابتكارات التكنولوجية نفسها. واقتراح صيغ لموقع العلوم الاجتماعية والإنسانية، دون استلاب الانسان، ودون سلب إنسانيته، يعتبر أمر حيوي وجوهري. إن هذه العلوم هي التي تستطيع إبداء نظرة نقدية على أوجه الفوارق الاجتماعية في الوصول إلى المعرفة وبخصوص الفجوة الرقمية، وأيضا تنبيه السياسات العمومية بشأن التعليم والعمل والفوارق الاجتماعية والعلاقة مع التنمية « المستدامة » والحيطة من مخاطر إفقار التنوع الفكري والثقافي.

فبقدر ما يحمل مجتمع المعرفة وعودًا كبيرة، بقدر ما يطرح أيضًا تحديات جمة، لا سيما بالنسبة للعلوم الاجتماعية والإنسانية، التي يفترض أن تلعب دورًا حاسمًا في دعم وتقييم التحولات الجارية، وأن تبقى صمام أمن ضد الانزلاقات والانحرافات من كل نوع اقتصادوي أو تقنوي.

 

Laisser un commentaire

اخر الأخبار :