فُجع الوسط العلمي والديني في المغرب بوفاة العلامة المغربي عبد الهادي حميتو، أحد أبرز العلماء الذين تخرجوا من رحم التعليم العتيق وأسهموا في خدمة علوم الشريعة والحديث، بعد مسار علمي حافل بالعطاء والتكوين والتدريس.
ويُعد الفقيد من العلماء الذين جمعوا بين الأصالة العلمية والتكوين المتين في علوم القرآن والفقه واللغة العربية، حيث نشأ في بيئة علمية محافظة وشق طريقه في طلب العلم منذ سن مبكرة، حتى صار من الوجوه البارزة في مجال الدراسات الشرعية والحديثية بالمغرب.
النشأة والبدايات
وُلد العلامة عبد الهادي بن عبد الله حميتو سنة 1362 هـ الموافق لـ1943 م بمنطقة الكريمات بضواحي الصويرة. ونشأ في بيت علم وصلاح، وكان لوالده رحمه الله أثر بالغ في توجيهه إلى طلب العلم منذ صغره.
كما تلقى تعليمه الأول على يد والده، حيث حفظ القرآن الكريم وأتم ختمته الأولى في سن مبكرة، وهو ما شكّل اللبنة الأولى لمسيرته العلمية التي ستتوسع لاحقاً في مختلف علوم الشريعة.
مسار علمي في مدارس التعليم العتيق
بعد مرحلة الحفظ، واصل الفقيد التلقي على يد عدد من الشيوخ والعلماء، من بينهم الشيخ بوجمعة بن الصديق الذي أسهم في ترسيخ قواعد القراءة والحفظ لديه.
كما تتلمذ على يد الشيخ محمد بن إبراهيم الزغاري بمنطقة البئر الفائض، وهو من الشيوخ المعروفين بتفرغهم لتعليم القراءات القرآنية. وقد درس عليه الروايات القرآنية وعدداً من المتون والمنظومات في علوم القرآن، من بينها متون ابن بري والخراز والشاطبية وتحفة المنافع والمدغري والوهراني، إضافة إلى نصوص تتعلق بالرسم القرآني والخط والضبط وأنصاص القراء والوقف والفواصل والمتشابهات.
وقد تلقى هذه العلوم إلى جانب أخيه عبد الحميد حميتو، ما مكّنه من اكتساب تكوين علمي راسخ في علم القراءات وعلوم القرآن.
مواصلة التحصيل العلمي
وفي إطار رحلته في طلب العلم، انتقل الراحل إلى زاوية بلمقدم القريبة من شيشاوة، حيث درس بكتاب الشيخ الحسن بن علي المتوكي، فنهل من دروسه في الفقه واللغة والعلوم الشرعية.
كما واصل تحصيله العلمي بمنطقة سيدي العربي، حيث تلقى العلم على يد الشيخ محمد بن إبراهيم الباعمراني، فدرس عليه اللغة العربية والنحو والفقه ومبادئ العلوم، الأمر الذي أسهم في توسيع مداركه العلمية وتعميق تكوينه في علوم الشريعة.
مسار علمي متميز
ويُعد الراحل واحداً من العلماء الذين حافظوا على تقاليد التعليم العتيق في المغرب، حيث جمع بين الحفظ والتحصيل والتدريس، وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة والباحثين في العلوم الشرعية.
وقد خلّف رحيله حزناً واسعاً في الأوساط العلمية وطلاب العلم، الذين عرفوه مثالاً للعالم المتواضع المشتغل بالعلم تعلماً وتعليماً.
رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من علم وتعليم في ميزان حسناته، وألهم أهله وطلبته ومحبيه جميل الصبر والسلوان.

