
تشهد مساجد مراكش خلال شهر رمضان انتشار ظاهرة لافتة أثارت نقاشًا واسعًا في الأوساط الدينية والمجتمعية، تتجلى في تصوير أئمة صلاة التراويح وبث تلاواتهم مباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، في مشهد يطرح أسئلة عميقة حول معنى العبادة وحدودها، وحول التحول التدريجي لبعض الشعائر الدينية من فضاء الخشوع والتجرد إلى واجهة رقمية تبحث عن الانتشار وعدد المشاهدات.
فبينما تستقطب بعض الأصوات الجميلة أعدادًا كبيرة من المصلين، يرى منتقدون أن التركيز المفرط على النغمة واللحن جعل الصلاة عند بعضهم أقرب إلى عرض صوتي منه إلى مقام تعبدي، حيث طغى الاهتمام بحسن الأداء على معاني التوحيد والتدبر والعمل بالقرآن. ويذهب هذا الرأي إلى أن همّ جلب الحشود وكسب الإعجاب بات حاضرًا لدى فئة من الأئمة، مقابل تراجع الاهتمام بالفقه والسلوك والقدوة التي يفترض أن تلازم مقام الإمامة، مؤكدين في الوقت ذاته أن هذا الوصف لا يشمل الجميع، إذ ما تزال المساجد تزخر برجال مخلصين يؤدون رسالتهم في صمت وخشية.
وإلى جانب هذا الجدل الديني، يبرز جانب آخر لا يقل حساسية، يتعلق بانتهاك خصوصية المصلين داخل بيوت الله. فعمليات التصوير، خصوصًا تلك المصحوبة بالبث المباشر، تنقل وجوه المصلين وحركاتهم ولحظات خشوعهم إلى الفضاء الرقمي دون إذن أو علم منهم، ما يحول المسجد من فضاء آمن للعبادة والسكينة إلى مكان مكشوف للكاميرات، ويطرح إشكالات أخلاقية وقانونية حول الحق في الخصوصية واحترام مشاعر الناس، الذين قصدوا الصلاة لا الظهور على الشاشات.
ويرى متابعون أن الإشكال لا يكمن في استخدام الوسائط الحديثة في حد ذاتها، بل في غياب الضوابط والنية، حين تصبح الكاميرا حاضرة بقوة، ويغيب الإخلاص الذي هو روح العبادة، ويتحول القرآن من هداية تُتلى وتُعمل إلى محتوى عابر تحكمه منطق المشاهدات. فصلاة التراويح ليست مسابقة أصوات ولا مناسبة للاستعراض، بل عبادة جماعية قوامها الخشوع وصيانة حرمة المسجد واحترام خصوصية المصلين، وهو ما يستدعي، بحسب العديد من الأصوات، ترشيد هذه الممارسات وإعادة الاعتبار لقدسية بيوت الله حتى تبقى فضاءً للسكينة لا منصة للعرض الرقمي.



