
تعود إلى الواجهة قضية بقعة أرضية مخصصة لبناء مسجد بحي مبروكة، بتجزئة أبواب جليز بمدينة مراكش، بعد تفجر معطيات تفيد بمحاولات تحويلها من وعاء مبرمج لإقامة مسجد إلى مشروع عمارة سكنية، في خرق واضح لوثائق التعمير المعتمدة ولمضمون تصميم التجزئة، فضلا عن تعارضها الصريح مع وصية والد المالك الأصلي الذي خصص الأرض لبناء مسجد لفائدة الساكنة.
“تصميم التجزئة الذي يظهر البقعة الخاصة بالمسجد”

وحسب المعطيات المتداولة، فإن الوريث يحاول، بمختلف الوسائل، تغيير صفة العقار، في وقت تشير فيه المعلومات إلى توجه بعض الجهات الوصية نحو البحث عن “فتوى” لتبرير هذا التحويل، بدل الاحتكام إلى تصميم التهيئة المصادق عليه، والذي يحدد بشكل صريح أن هذه البقعة مخصصة لبناء مسجد، كما هو وارد في وثائق التجزئة الرسمية التي لا تقبل أي تأويل أو اجتهاد خارج إطار القانون.
وتأتي هذه القضية في سياق أوسع من الخروقات التعميرية التي شهدها حي مبروكة ومحيطه منذ سنة 2016، حيث تحولت عدد من الأوعية العقارية المخصصة لمرافق عمومية إلى مشاريع سكنية خاصة، دون أي احترام لوظائفها الأصلية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، بقعة أرضية كانت مبرمجة لإحداث مخبزة ومحلات للحلويات، قبل أن تتحول إلى فيلا سكنية، لا تزال إلى اليوم تتوسع على حساب الملك العمومي، في غياب أي تدخل فعلي من الجهات المختصة، ما كرس واقعا قائما على فرض الأمر الواقع.
“ڤيلا السلطان العظيم، الذي استولى على الملك العمومي”

وتؤكد معطيات الساكنة أن أصل هذه الخروقات يعود إلى تصميم التهيئة الذي شمل عدة تجزئات سكنية بحي مبروكة، من بينها أبواب جليز والتوحيد وبساتين جليز وريحانة، والتي تضم أزيد من عشرة آلاف شقة، ورُخص لها في غياب شبه تام للمرافق الاجتماعية والدينية، من مساجد ومدارس ومراكز أمن ونقل عمومي، ما جعل الساكنة تعيش معاناة يومية منذ استقرارها بالمنطقة.

وأمام هذا الوضع، بادرت الساكنة منذ سنة 2016 إلى مراسلة مختلف الجهات المعنية، مطالبة بتصحيح هذه الاختلالات، واقترحت تخصيص جزء لا يتجاوز اثنين في المائة من المساحة الإجمالية لإنشاء مرفق ديني وحديقة، في ظل غياب أي وعاء عقاري شاغر بالمنطقة. وقد توج هذا المسار بموافقة المجلس الجماعي بالإجماع، بموجب مقرر صادر سنة 2018، غير أن تفعيل هذا القرار ظل معلقا، بسبب عدم استكمال مسطرة التفويت، وبقاء الأراضي المعنية في ملكية المنعش العقاري، رغم استيفائه للإجراءات الإدارية المطلوبة، قبل أن يُرفض الملف من طرف قسم التعمير دون تقديم أي بديل عملي يمكّن الساكنة من أداء شعائرها الدينية.
وتزداد حدة الجدل مع تسجيل وجود رسم عقاري مخصص لبناء مسجد، تم رهنه لفائدة مؤسسة بنكية، وهي اليوم واضعة اليد عليه، ما يطرح علامات استفهام كبرى حول الجهة التي سمحت بهذا الإجراء، وحول مسؤولية الإدارات المعنية في حماية الأوعية العقارية المبرمجة للمرافق العمومية، ولماذا لا يتم إلحاق هذه الأراضي بأملاك الدولة أو الجماعة قبل الشروع في برمجتها.
وفي ظل هذه التناقضات، تجد ساكنة حي مبروكة نفسها رهينة مساطر إدارية معقدة وقرارات غير مفعّلة، رغم أن الحي حديث العهد نسبيا ويعاني خصاصا حادا في أبسط شروط التمدن، من مرافق دينية وتعليمية وأمنية ورياضية ونقل عمومي، في تناقض صارخ مع الشعارات المرفوعة حول التنمية الحضرية ومكانة مراكش كحاضرة متجددة.
لذلك ، فمحاولة تحويل بقعة مخصصة لبناء مسجد إلى مشروع سكني لا تمثل فقط خرقا تعميريا، بل تشكل مساسا بحق جماعي للساكنة، وتفريغا لوثائق التهيئة من مضمونها، وضربا لوصية واضحة، ما يطرح بإلحاح سؤال المسؤولية والمحاسبة، ويضع الجهات المعنية أمام اختبار حقيقي: إما إنفاذ القانون وحماية المصلحة العامة، أو فتح الباب أمام منطق التحايل الذي حول عددا من المرافق العمومية إلى إسمنت صامت.
![]()




