
لم يعد ما يجري في سيدي يوسف بن علي، وتحديدا بدرب بوعلام من جهة سوق بولارباح إلى شارع المصلى، مجرد انطباعات عابرة أو مبالغات شعبية. نحن أمام واقع صادم، مكشوف، يجري على عينك ابن عدي: تجارة علنية في مختلف أصناف المخدرات، من “البوفة” و”المعجون” إلى الأقراص المهلوسة، دون خوف أو حذر، وكأن القانون قرر أن يدير ظهره للمكان وساكنته.
الأدهى من انتشار السموم ليس وفرتها، بل الطريقة. فالتجار – في قمة الجرأة والوقاحة – وجدوا حلا “ذكيا” لحماية تجارتهم: تسخير الأطفال القُصَّر، دون الثامنة عشرة، وأحيانا أقل بكثير. أطفال يُدفع بهم إلى الواجهة، يُستعملون دروعا بشرية لأن “القانون الجديد يحميك في الجنح”، هكذا يلقنونهم، وهكذا يُطمئنونهم: “غادي يشدوك ولا يطلقوك”. منطق خطير، يُحوِّل القاصر من ضحية إلى أداة، ومن مستقبل محتمل إلى وقود يومي لتجارة الموت.
هذه ليست روايات من بعيد. شهادات مباشرة، عيون رأت وآذان سمعت. شبان كُثُر، أغلبهم محتاجون، كثير منهم أبناء باعة جائلين، وجدوا أنفسهم في فخ الحاجة واليأس، ليُستغلوا بلا رحمة في شبكة تعرف جيدا أين تضرب وأين تختبئ. تجارة لا تُدار في الظل، بل في وضح النهار، بينما الأسئلة البديهية معلقة في الهواء: أين المراقبة؟ أين الردع؟ وأين حماية الطفولة؟
ما يحدث اليوم في هذا الحي ليس مجرد انفلات أمني، بل فشل جماعي. فشل في إنفاذ القانون، فشل في حماية القاصرين، وفشل في إنقاذ أحياء تُترك لتتحول إلى أسواق سوداء مفتوحة. السكوت هنا ليس حيادا، بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة.
إنها كارثة بكل المقاييس. كارثة تستدعي نزول الميدان، لا بلاغات باردة. تستدعي أعينا ترى، لا تقارير تُحرَّر من المكاتب. وإذا كان لابد من مراسل، فليأتِ، ليرى بعينه ما آلت إليه الأمور. لأن ما يُحاك في درب بوعلام اليوم، إن استمر، لن يتوقف عند حدود الحي… بل سيتوسع، ويكبر، ويبتلع ما تبقى من أمل.







