
لم تمر سوى دقائق قليلة على نشر مقال “مراكش الإخبارية” الذي نبه إلى الإزالة المفاجئة للأعلام الإفريقية من المدارات الرئيسية بالمدينة، حتى سارعت السلطات المحلية إلى إعادة تثبيت جزء منها، في خطوة عكست، من جهة، تفاعلا سريعا مع ما أثير إعلاميا، لكنها فتحت، من جهة أخرى، نقاشا أعمق حول منطق التدبير، وحدود اليقظة، ودور الإعلام في تصحيح اختلالات كان يفترض ألا تقع أصلا.
هذا التدخل العاجل يطرح بعض التساؤلات :ماذا لو لم ينتبه منبرنا، ولم يثر هذا الخطأ التنظيمي، الغير مقبول، هل كانت المدينة ستستمر في استقبال جماهير ربع النهائي بأعمدة عارية ومدارات باهتة؟ وهل أصبح تصحيح الأخطاء رهينا بضغط إعلامي بدل رؤية استباقية واضحة؟
صحيح أن التراجع عن الخطأ يحسب، نسبيا، للسلطات، لكن الأخطر هو أن الخطأ وقع أساسا في لحظة تنظيمية دقيقة، وفي سياق تظاهرة قارية كان يفترض أن تشكل فرصة حقيقية لتسويق صورة مراكش كمدينة قادرة على استثمار الأحداث الكبرى اقتصاديا وسياحيا وتنمويا، لا أن تكتفي بتدبير مناسباتي مرتبك، ينطفئ بريقه قبل نهاية العرس.
إن ما حدث يؤكد مرة أخرى أن مراكش لا تعاني من نقص في الإمكانيات أو المؤهلات، بل من غياب رؤية واضحة لاستغلال كأس إفريقيا مرتفعة للتنمية الاقتصادية، فالتظاهرات الكبرى لا تختزل في المباريات والنتائج، بل في الأجواء، في التفاصيل، في الإحساس العام الذي يحمله الزائر وهو يغادر المدينة، إما بإعجاب يدفعه للعودة، أو بخيبة تكرس صورة مدينة تشتغل برد الفعل لا بالفعل.
كما يعيد هذا التدخل المتأخر طرح مسألة ضعف التنسيق والحكومة في تدبير الفضاء العام، خاصة في ظل استمرار أوراش مفتوحة، وحفر منتشرة، وتشوهات بصرية تراكمت دون معالجة جذرية، رغم حساسية الظرف والرهانات المرتبطة به.
إن دور الإعلام، كما تؤكد هذه الواقعة، لا ينبغي أن يختزل في رصد الأخطاء بعد وقوعها، بل يفترض أن يكون شريكا في التنبيه والبناء، في مقابل مسؤولين مطالبين بالتحلي باليقظة والاستباق، لا انتظار مقال أو صورة أو موجة انتقادات للتحرك.
لقد تدخلت السلطات بعد دقائق، نعم… لكن السؤال الأهم سيظل معلقا: متى تصل الى مرحلة لا نحتاج فيها إلى التنبيه الاعلامي لتصحيح ما هو بديهي ؟ ومتى تتحول التظاهرات الكبرى من عبء تدبيري إلى فرصة حقيقية للنهوض بالاقتصاد المحلي، ورد الاعتبار لصورة مراكش كمدينة عالمية، لا تخطئ في أبسط تفاصيلها؟




