
بقلم :حبيل رشيد.
يقول الفقيه القانوني الفرنسي موريس هوريو Maurice Hauriou: «إن القاعدة، سواء وُضعت لتنظيم العدالة أو لتأطير المنافسة، لا تكتسب مشروعيتها من صرامتها وحدها، بل من قدرتها على تحقيق التوازن بين النظام والإنصاف، وبين الحرية والانضباط.»
ليست كلّ الزيارات حدثًا عابرًا يُستنفد في لحظته، ولا كلّ اللقاءات تُقاس بزمنها القصير. فثمّة وقائع، وإن بدت هادئة في مظهرها، فإنها تنطوي على دلالات مركّبة، وتستدعي قراءة تتجاوز السطح إلى البنية، وتتجاوز الخبر إلى المعنى. من هذا المنطلق، تكتسب الزيارة الأخوية التي قام بها الكابيتانو محمد ربيع حريمات، أحد رموز الكرة الوطنية المغربية، وأفضل لاعب في بطولة إفريقيا للمحليين وكأس العرب، وبطل النسختين رفقة المنتخب الوطني، إلى القاضي رشيد المنجري، ممثل النيابة العامة بمحكمة الاستئناف، أهميتها الخاصة… لا بوصفها مجاملة شخصية، بل باعتبارها تقاطعًا رمزيًا بين مجالين يؤطران السلوك العام: الرياضة والقانون.
في هذا اللقاء، لم يكن اللاعب في موقع النجم الذي يستعرض مجده، ولا القاضي في مقام السلطة التي تفرض هيبتها. كان الطرفان، في عمق المشهد، يتبادلان اعترافًا متبادلًا بالقيمة… قيمة الانضباط، وقيمة القاعدة، وقيمة المسؤولية. فالرياضة، في جوهرها، ليست انفلاتًا عاطفيًا، بل ممارسة محكومة بنصوص، ومراقَبة بتحكيم، ومقيَّدة بجزاءات. والقانون، في جوهره، ليس جمودًا نصيًا، بل فعلٌ إنساني، يُمارَس داخل مجتمع نابض، ويحتاج إلى فهم السياق بقدر حاجته إلى سلامة التأويل.
منطق الأشياء يفرض هنا مقاربة عقلانية: فكما أن المباراة لا تستقيم دون حكم، ولا تُحسم دون احترام للقانون الداخلي للعبة، فإن المجتمع لا يستقر دون عدالة، ولا يطمئن دون ثقة في المؤسسة القضائية. هذه المعادلة البسيطة في ظاهرها، العميقة في آثارها، شكّلت الخلفية غير المعلنة لهذا اللقاء… حيث بدا وكأن الملعب وقاعة المحكمة يتجاوران رمزيًا، لا في المكان، بل في الوظيفة.
محمد ربيع حريمات، بصفته كابيتانو، يُمثّل نموذجًا للقيادة الهادئة، تلك التي لا تُراهن على الصخب، بل على الحضور المتزن، واتخاذ القرار في اللحظة الحرجة. وهذا السلوك القيادي، إذا أُخضع للتحليل المنطقي، يتقاطع بوضوح مع فلسفة العمل القضائي؛ فالقاضي، مثل قائد الفريق، لا يُقاس باندفاعه، بل بقدرته على ضبط الإيقاع، وقراءة المعطيات، وترجيح الكفة التي يخدم بها المصلحة العامة.
في المقابل، يجسّد القاضي رشيد المنجري صورة رجل العدالة الذي يدرك أن القانون، لكي يظل حيًّا، يجب ألا ينغلق على ذاته. فالنص، مهما بلغ من الإحكام، يظلّ محتاجًا إلى روح تُحرّكه، وإلى وعي اجتماعي يُنزله منزلته الصحيحة. والرياضة، بما لها من تأثير رمزي واسع، تشكّل أحد الفضاءات التي تتجلّى فيها القيم القانونية بشكل عملي: احترام القاعدة، قبول القرار، الخضوع للجزاء، والاحتكام إلى مؤسسة التحكيم.
هنا تتبدّى الحجة المركزية لهذا اللقاء: إن الرياضة ليست خارج القانون، بل هي أحد تجلياته اليومية… وإن القانون ليس نقيضًا للشغف، بل حارسه. ومن ثمّ، فإن التقاطع بين رجل قانون ورجل كرة لا ينبغي أن يُقرأ كاستثناء، بل كقاعدة صحية في مجتمع يسعى إلى الانسجام بين القوة والضبط، بين الطموح والتنظيم.
لقد دار الحديث، في أجواء يغلب عليها الوقار والتقدير المتبادل، حول صورة المغرب، وحول مسؤولية النخبة، كلٌّ من موقعه، في ترسيخ هذه الصورة. فاللاعب، حين يلتزم داخل الملعب وخارجه، لا يحمي مسيرته فقط، بل يُسهم في بناء نموذج يُحتذى. والقاضي، حين ينفتح بوعي على محيطه، لا ينتقص من هيبة القضاء، بل يعزّز الثقة فيه، ويُعيد ربطه بنبض المجتمع.
والمنطق، مرة أخرى، لا يترك مجالًا للالتباس: فمجتمع بلا قدوات رياضية منضبطة، مجتمع هشّ القيم… ومجتمع بلا عدالة منفتحة وراسخة، مجتمع مهدّد في توازنه. وبين هذين الحدّين، تتشكّل الحاجة إلى لحظات من هذا القبيل… لحظات صامتة في خطابها، عالية في دلالتها.
إنها زيارة أخوية في ظاهرها… لكنها، في عمقها، رسالة مزدوجة: رسالة إلى الشباب، مفادها أن المجد لا يُبنى خارج القاعدة؛ ورسالة إلى المؤسسات، مضمونها أن الانغلاق يُضعف الشرعية، وأن الانفتاح الواعي يُقوّيها. هكذا، حين يتلاقى القانون والرياضة على أرضية الاحترام المتبادل، لا يكون الرابح فردًا بعينه، بل فكرة الوطن المتوازن… الوطن الذي يعرف كيف يُدير شغفه… وكيف يحكمه بالقانون… دون أن يُطفئ فيه جذوة الحلم…







