
بقلم :رشيد حبيل.
يقول عبد الرحمن الكواكبي:
«اللغة روحُ الأمة الناطقة بها، وحافظةُ تاريخها، وميزانُ عقلها، فإذا ضعفت اللغة ضَعُف الشعور، ووهنت الفكرة، وتصدّعت رابطة الانتماء، وإذا سمت اللغة سما معها التفكير، واتسع الخيال، واستقام مسار النهضة، لأن الألفاظ أوعية المعاني، والمعاني إذا فسد وعاؤها اختنقت قبل أن تبلغ العقول».

في لحظةٍ ثقافيةٍ مشحونة بالمعنى، ومتّصلة بسؤال التربية في جوهره، نظّمت مؤسسة اقرأ الخاصة بمدينة ابن أحمد ،إقليم سطات، ندوة علمية احتفاءً باليوم العالمي للغة العربية، فجعلت من المناسبة فضاءً للتفكير العميق، ومن الاحتفاء مدخلًا لإعادة مساءلة علاقة المتعلّم بلغته، وعلاقة المدرسة بدورها الحضاري. وقد جاء هذا الموعد العلمي تحت شعار مكثّف الدلالة: «من أجل أجيالٍ متحكّمة ومعتزّة بلغتها العربية»، وهو شعار يعكس وعيًا مؤسساتيًا يرى في اللغة ركيزة بناء، لا مادة دراسية عابرة.

الندوة انتظمت داخل سياق تربوي وثقافي يؤمن بأن اللغة العربية تشكّل العمود الفقري للفكر، ومجال تشكّل الوعي، وفضاء انبثاق الإبداع. وقد اختير لها محور بالغ العمق عنوانه: «اللغة العربية وسؤال الإبداع»، في إشارة واضحة إلى أن أزمة العربية لا تنفصل عن قدرتها على مواكبة التحوّلات، ولا عن موقعها داخل الممارسة الصفّية، ولا عن الكيفية التي يُعاد بها تقديمها للأجيال الصاعدة.

وقد عرفت هذه التظاهرة العلمية حضور ثلّة من الأساتذة والباحثين الذين أغنوا النقاش بمداخلات رصينة، متقاطعة الرؤى، متكاملة الأفق. فقد توقّف الأستاذ عبد الكريم لعوينة عند موضوع «العربية بين الهوية والجمال»، مقاربًا اللغة من زاوية مزدوجة تجمع بين بعدها الرمزي ودورها الجمالي، ومبرزًا أن الانتماء اللغوي لا يكتمل إلا حين تمتلك العربية قدرة الإقناع والدهشة معًا، وحين تُدرّس بوصفها مجالًا للذوق والتأمل، لا وعاءً جامدًا للقواعد.

أما الأستاذ طارق المعطاوي، فقد قدّم مداخلة موسومة بـ «إبداع المتعلّم: مقاربة تربوية وجمالية»، فتح من خلالها نقاشًا حول مركزية المتعلّم في العملية التعليمية، ودور اللغة العربية في تفجير طاقاته التعبيرية، وصقل ملكته التخيلية. وقد شدّد على أن الإبداع لا يُمنح جاهزًا، وإنما يُستنبَت داخل بيئة تعليمية تحفّز السؤال، وتحتفي بالاختلاف، وتمنح المتعلّم مساحة للتجريب.

وفي سياق متكامل، جاءت مداخلة الأستاذ إبراهيم البحراوي حول «القراءة الملهمة»، لتعيد الاعتبار لفعل القراءة بوصفه رافعة أساسية لبناء الوعي اللغوي، ومجالًا لتوسيع المدارك، وتحرير الخيال. فقد أبرز أن القراءة حين تُمارَس بوعي تتحوّل إلى تجربة داخلية عميقة، تُعيد تشكيل العلاقة بالكلمة، وتُنمّي القدرة على إنتاج المعنى، وتُغذّي الحسّ الإبداعي لدى المتعلّم.

وقد أسندت مهمة تسيير الندوة إلى الأستاذ محمد الدنيا، الذي أدار النقاش بكفاءة تنظيمية وهدوء معرفي، أتاح من خلاله تفاعلًا مثمرًا بين المتدخلين والحضور، وأسهم في تحويل اللقاء إلى ورشة فكرية مفتوحة، تتقاطع فيها الأسئلة التربوية مع الرهانات الثقافية.
اللافت في هذه الندوة حضورٌ وازن لتلامذة المؤسسة، الذين شاركوا بمداخلات وتساؤلات كشفت عن مستوى متقدّم من الوعي بأهمية اللغة العربية، وضرورة تجديد طرائق تدريسها، وربطها بالإبداع، والقراءة، والجمال. مشاركات عكست أثر الرؤية التربوية التي تنتهجها مؤسسة اقرأ، والتي تقوم على جعل المتعلّم شريكًا في بناء المعرفة، لا متلقيًا سلبيًا لها.
إن مؤسسة اقرأ، من خلال تنظيمها لهذا النشاط، أكّدت موقعها كفاعل تربويّ واعٍ بتحديات المرحلة، ومؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من اللغة، ويمتد إلى بناء إنسان قادر على التفكير، والتعبير، والإبداع. فالعناية بالضاد داخل الفضاء المدرسي لا تنفصل عن مشروع حضاري أوسع، قوامه الوعي، والاعتزاز، والانفتاح المتزن.
وقد شكّل هذا اللقاء محطة إشعاع ثقافي، أعادت للغة العربية شيئًا من وهجها داخل المدرسة، ورسّخت قناعة جماعية بأن الإبداع يظل ممكنًا متى وُجدت مؤسسات تؤمن برسالتها، وتراهن على الكلمة، وتمنحها مكانتها المستحقة.
وإذ تُختتم هذه الندوة، يبقى أثرها ممتدًا في النقاشات التي أثارتها، وفي الأسئلة التي زرعتها، وفي الوعي الذي عمّقته لدى التلامذة والأساتذة على السواء. وتستحق مؤسسة اقرأ كل تنويه لما تبذله من جهد دؤوب في خدمة اللغة العربية، وترسيخ حضورها، وبناء أجيال متصالحة مع لغتها، معتزّة بها، وقادرة على حملها نحو آفاق أرحب.
![]()







