الرئيسية > مقالات الراي > السياسة ليست ميكروفونا للصوت الواحد.. بل مدرسة لتدبير الاختلاف
مقالات الراي

السياسة ليست ميكروفونا للصوت الواحد.. بل مدرسة لتدبير الاختلاف

بقلم: عز الدين إزيان

إن الفاعل السياسي الذي يؤمن بالفعل الديمقراطي يدرك أن الحوار ليس ترفا سياسيا، وأن الاختلاف ليس خصومة شخصية، وأن الرأي الآخر ليس تهديدا يستوجب إعلان حالة الطوارئ. فالسياسة، في جوهرها، فن تدبير التباين وبناء المشترك، وليست مسابقة في رفع الصوت أو اختبارا لمدى قدرة الآخرين على التصفيق. أما تحويل النقاش إلى معركة لإثبات الذات، فيجعل المشهد السياسي أشبه بمسرحية يؤدي فيها شخص واحد جميع الأدوار، ثم ينتظر من الجمهور أن يصفق له بحرارة!

إن الإيمان بالرأي والرأي الآخر لا ينبغي أن يظل مجرد شعار يزين الخطب والبيانات، بل هو ممارسة يومية تكشف حقيقة التكوين السياسي للفاعل ومدى استيعابه لقواعد الديمقراطية. فمن السهل أن تتحدث عن الحوار حين يكون الجميع متفقين معك، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يجلس أمامك من يعارضك، ويناقش أفكارك، ويطرح أسئلة لا تعجبك. هنا تحديدا يظهر الفرق بين من يعتبر السياسة مسؤولية أخلاقية ومؤسساتية، ومن يتعامل معها باعتبارها ملكية خاصة لا يحق لأحد الاقتراب من أسوارها.

ومن المفارقات الكاريكاتورية في بعض المشاهد السياسية أن تجد من يطالب بحرية التعبير صباحا، ثم يبحث عن زر إيقاف الصوت كلما سمع رأيا مخالفا مساء. يرفع شعار الديمقراطية ما دام الميكروفون بين يديه، لكنه يعتبره خللا في النظام حين ينتقل إلى غيره! وكأن الديمقراطية جهاز تحكم عن بعد، يحتفظ صاحبه بزر التشغيل لنفسه، ويمنح الآخرين حق المشاهدة فقط. والحال أن الحوار الحقيقي لا يقوم على توزيع الأدوار بين متحدث دائم ومستمع دائم، بل على الاعتراف المتبادل بحق الجميع في التعبير والنقاش والاختلاف.

إن قوة الفاعل السياسي لا تقاس بقدرته على إسكات خصومه أو إحراج مخالفيه، بل بمدى قدرته على مواجهة الأفكار بالحجة، والانتقادات بالمعطيات، والاختلاف بالإنصات. فليس كل من انتقدك يستهدفك شخصيا، وليس كل من خالفك يضمر لك العداء، وليس كل سؤال محرج مؤامرة تستدعي التعبئة.

أحيانا يكون النقد فرصة لتصحيح المسار، ويكون السؤال بداية لفهم أعمق، ويكون الاختلاف مدخلا إلى حلول لم تكن لتظهر وسط التصفيق المتواصل. أما اعتبار كل مخالفة استهدافا، فهو أشبه بطبيب يرفض تشخيص المرض لأنه لا يحب سماع الأخبار غير السارة!

وفي الممارسة السياسية، لا يكفي أن يعلن الفاعل أنه ديمقراطي، بل ينبغي أن تظهر ديمقراطيته في سلوكه، وفي طريقة تدبيره للاجتماعات، وفي علاقته بالمنتقدين، وفي استعداده لمنح الآخرين المساحة نفسها التي يطالب بها لنفسه.

فالديمقراطية ليست امتيازا يمنح للأصدقاء ويحجب عن المختلفين، وليست لباسا يرتدى أمام الكاميرات ثم يعلق على المشجب عند أول نقاش ساخن. إنها ثقافة تقتضي ضبط الانفعال، واحترام الكرامة، والتمييز بين نقد المواقف والطعن في الأشخاص، وبين المنافسة السياسية ومحاولات الإقصاء.

ولعل أكثر ما يضعف النقاش العمومي هو حين تتحول بعض المنابر إلى فضاءات لتبادل الاتهامات بدل تبادل الأفكار، وحين يصبح الانتصار الشخصي أهم من الوصول إلى الحقيقة، وحين ينشغل الفاعلون السياسيون بمن ربح الجولة الكلامية بدل التفكير في ما يمكن أن يربحه المواطن من هذا النقاش. عندها يصبح المشهد أشبه بمباراة كرة قدم يصر فيها اللاعبون على مناقشة الحكم، بينما الكرة متروكة في الملعب والجمهور ينتظر الأهداف! والسياسة الجادة تقتضي أن نعيد النقاش إلى جوهره: البرامج، والأفكار، والاختيارات، والمصلحة العامة، بعيدا عن الشخصنة والاستعراض.

إن الرهان الحقيقي ليس أن نتشابه في آرائنا، بل أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف نتحاور دون أن نتعالى، وكيف ندافع عن قناعاتنا دون أن نصادر حق الآخرين في التعبير عنها. فالفاعل السياسي الواثق من أفكاره لا يخشى النقاش، ولا يحتاج إلى جمهور يوافقه في كل شيء، ولا يعتبر الرأي المخالف خصما يجب إسكاته؛ لأنه يعلم أن الديمقراطية لا تنتجها كثرة الأصوات المتشابهة، بل يصنعها احترام التعدد والاحتكام إلى الحجة. وفي النهاية، من يريد أن يكون الممثل الوحيد فوق خشبة السياسة، عليه أن يتذكر أن الديمقراطية ليست مسرحا بممثل واحد، وأن التصفيق الإجباري لا يصنع شرعية، كما أن الصمت لا يعني الاقتناع، وأن الرأي الآخر سيظل حقا ديمقراطيا، لا منحة شخصية من أحد.

مراكش الاخبارية

مراكش 7

تفاعل بين القارئ و الكاتب و المشاهد

BAYITOTO ^ Referensi Bandar Situs Toto Slot Terpercaya Login Link Alternatif Resmi Situs Online slotfafa88 slot demo slot game AMANAHTOTO link gacor situs slot PAKDE4D slot88 rokokbet bragatoto pascol4d AKSES PASCOL4D