
في عمق البادية، حيث تتوارى القضايا الحقيقية خلف ضجيج المناسبات، تعيش حكيمة حبيل عمرًا معلّقًا منذ خمسة عشر عامًا. طفلة من ذوي الاحتياجات الخاصة، تعاني إعاقة حركية تُثقِل الجسد وتُقيِّد الحركة، وتقيم بجماعة مكارطو التابعة لدائرة ابن أحمد بإقليم سطات. هناك، بعيدًا عن مراكز القرار، تتشكّل يومياتها في صمتٍ كثيف، صمتٍ لا تصنعه الطبيعة بقدر ما تُكرِّسه السياسات حين تُدير ظهرها للأضعف.
حكيمة لا تدرس، ولا تستفيد من أي إدماج تربوي أو اجتماعي. ليست في مدرسة، ولا في مركز تأهيل، ولا ضمن أي برنامج مواكبة. واقعها اليومي يُدار بمنطق الانتظار، انتظار مبادرة، انتظار التفاتة، انتظار إحساسٍ جماعي بأن الإعاقة شأن عمومي، لا عبء عائلي معزول. هنا، يصبح الغياب مركّبًا… غياب التعليم، غياب الرعاية، غياب التدبير القريب من الإنسان.
القضية، في حقيقتها، أوسع من حالة فردية. إنها مرآة كاشفة لوضع فئات كاملة تعيش على هامش السياسات العمومية. فالطفولة المعاقة في العالم القروي تواجه هشاشة مضاعفة؛ هشاشة الإعاقة، وهشاشة المجال. وحين لا تتدخّل المؤسسات بتصوّر مندمج، يتحوّل الحرمان إلى مسار حياة، وتصبح الإعاقة قدرًا اجتماعيًا، لا وضعًا يحتاج إلى تصحيح.
في إقليم سطات، تُعلن برامج، وتُرصد اعتمادات، وتُوقَّع اتفاقيات دعم مع المجتمع المدني والجهات الخاصة. غير أن السؤال الجوهري يظلّ معلقًا… إلى أي حدّ تصل هذه البرامج إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها؟ وإلى أي مدى تُبنى اختيارات الدعم على تشخيص واقعي للحاجيات، لا على منطق القرب، أو الحضور الإعلامي، أو النشاط الظرفي؟
الملاحظ أن جزءًا كبيرًا من الدعم، العمومي والخاص، يُوجَّه إلى جمعيات تنشط في مجالات استعراضية؛ أنشطة ترفيهية، تظاهرات موسمية، فعاليات ذات صدى سريع وأثر محدود. في المقابل، تبقى الفئات الصامتة، كالأطفال في وضعية إعاقة بالبادية، خارج دائرة الاهتمام. لا لأن عددهم قليل، بل لأن حضورهم لا يُنتج صورة، ولا يُدرّ إشعاعًا سريعًا.
هذا الاختلال في توجيه الدعم يطرح مسؤولية مباشرة على الجهات الخاصة التي تُعلن انخراطها في العمل الاجتماعي. فالمسؤولية المجتمعية ليست واجهة تواصلية، ولا أداة تلميع، بل التزام فعلي يُقاس بمدى وصوله إلى الحالات الأكثر هشاشة. حين تغيب حكيمة عن خريطة هذا الالتزام، فإن الخلل لا يعود إلى نقص الإمكانيات، بل إلى ضعف الرؤية في تحديد الأولويات.
كما تتحمّل الجماعات الترابية مسؤولية مركزية في هذا السياق. القرب من المواطن يفترض معرفة دقيقة بأوضاعه، ورصدًا استباقيًا للحالات الهشة، لا انتظار ملفات جاهزة أو تدخلات ظرفية. وجود طفلة معاقة خارج المدرسة، دون أي مواكبة، داخل النفوذ الترابي لجماعة محلية، يكشف فجوة واضحة بين الاختصاصات النظرية والممارسة الواقعية.
أما المصالح الإقليمية المعنية بالشأن الاجتماعي، فإن دورها يتجاوز التنسيق الإداري إلى بناء آليات تتبّع فعّالة. فالحكامة، في معناها العملي، تقوم على الربط بين القرار ونتيجته، وبين الاعتماد وأثره. وحين لا ينعكس الإنفاق الاجتماعي على حياة الفئات الأكثر هشاشة، يصبح من الضروري إعادة فحص مسارات التدبير، لا الاكتفاء بتقارير الإنجاز.
قضية حكيمة تُعيد طرح سؤال العدالة المجالية بإلحاح. كيف يمكن الحديث عن إنصاف ترابي، بينما تظل البادية خارج التغطية الفعلية للخدمات الاجتماعية؟ وكيف يُبرَّر ترك طفلة معاقة دون تعليم أو تأهيل، في إقليم يتوفّر على برامج وشراكات وموارد؟ هذه الأسئلة لا تستهدف التشهير، بل تسعى إلى تصحيح المسار.
المجتمع المدني، بدوره، مدعو إلى مراجعة أدواره. فالجمعيات، حين تنحرف عن جوهر العمل الاجتماعي، وتغرق في أنشطة سهلة الأثر وسريعة الاستهلاك، تُفرغ مفهوم التضامن من مضمونه. العمل الجمعوي الحقيقي يبدأ من حيث الألم، لا من حيث الضوء. يبدأ من الحالات التي لا تملك صوتًا، ولا قدرة على طرق الأبواب.
إن حكيمة حبيل تمثّل صوتًا صامتًا، غير أنّ صمتها يحمل رسالة واضحة… رسالة مفادها أن الحكامة لا تُختبر في القاعات، بل في البيوت المعزولة، وفي القرى البعيدة، وفي حياة الأطفال الذين لا يملكون ترف الانتظار. إنها دعوة صريحة إلى مسؤولي إقليم سطات، بمختلف مواقعهم، لإعادة توجيه البوصلة نحو الفئات التي تُختزل غالبًا في الهامش.
النظر إلى حكيمة ليس فعل إحسان، بل واجب تدبيري. إدماجها في التعليم، توفير تأهيل مناسب، مواكبة أسرتها، ربطها ببرامج الدعم… كلها حقوق، لا مِنح. وحين تُستعاد هذه الحقيقة، يستقيم معنى الحكامة، ويتحوّل الخطاب إلى ممارسة، وتستعيد السياسات العمومية معناها الإنساني.
من بادية مكارطو، يخرج السؤال ثقيلًا وواضحًا…
هل تستطيع مؤسسات إقليم سطات، والجهات الخاصة، والمجتمع المدني، أن تُعيد الاعتبار للفئات المنسية، وأن تجعل من الإعاقة أولوية حقيقية، لا هامشًا مؤجلًا؟
الجواب يبدأ من هنا… من حكيمة.







