اغتيال النقاش العمومي على مذبح المشاهدات
بقلم: عز الدين إزيان
تخيلوا معي بلدا يناقش فيه ثمن النظارات أكثر من ثمن فصول البرامج الحكومية ، وتحاكم فيه الهمزة بدل أن تحاسب السياسات! حين تتحول زلة لسان إلى سبق إعلامي، ويصبح اليوتوبرز خبراء في النحو وفقه النظارات، فاعلموا أننا أمام كوميديا سياسية تستحق المشاهدة! أهلا بكم في زمن «مالك مزغب؟»… حيث تدفن البرامج تحت ركام التفاهة، وتمنح البطولة لمن يصطاد الزلات لا لمن يصنع البدائل!
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الممارسة السياسية ليس اختلاف المواقف، ولا حدة المعارضة، ولا حتى الصراع حول السلطة، بل أن تتحول السياسة إلى مسرح للعبث، ويصبح تقديم برنامج حكومي مناسبة لتفتيش الوجوه والملابس والنظارات، بدل تفكيك الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية ومساءلة الالتزامات الانتخابية. لقد تابعنا، بكل أسف، كيف انتقل بعضهم من مناقشة برنامج حكومي إلى محاكمة رئيسة الحكومة بسبب طريقة نطق الهمزة، أو خطأ عابر في الإعراب، أو نظارات قيل إن ثمنها يبلغ خمسة آلاف درهم. وهنا لا يسع المرء إلا أن يتساءل: هل نحن أمام نقاش سياسي جاد، أم أمام حلقة جديدة من البرنامج الوطني «مالك مزغب؟»، برعاية خبراء الهمزات ومفتشي النظارات؟
والأطرف في المشهد أن بعض المنابر الإعلامية اكتشفت، بين عشية وضحاها، أن مستقبل البلاد لا يتوقف على التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية، وإنما على معرفة الماركة التجارية للنظارات التي ترتديها رئيسة الحكومة! فتحولت بعض الاستوديوهات من فضاءات يفترض أن تنتج التحليل السياسي إلى محلات متخصصة في فحص الإطلالات، وأصبح الخبر العاجل هو ما إذا كانت الهمزة قد نطقت بحقها الدستوري، وما إذا كانت كلمة ما قد حصلت على حركتها الإعرابية كاملة أم تعرضت للاقتصاد في التشكيل. ولم يبق إلا أن تستضيف هذه المنابر خبيرا في البصريات، ومختصا في النحو والصرف، ومحللا استراتيجيا مهمته تقدير الانعكاسات الجيوسياسية لثمن إطار النظارات على الأمن القومي! أما البرنامج الحكومي، فيمكن تأجيله إلى حين انتهاء النشرة الجوية.
أما بعض اليوتوبرز، فقد وجدوا في هذه الهفوات منجما ذهبيا لا ينضب؛ فبدل أن يبحثوا عن المعلومة التي تنفع المواطن، صاروا يبحثون عن الزلة التي ترفع المشاهدات، وكأن خوارزميات المنصات لا تكافئ إلا من يكتشف خطأ في النطق أو يقتنص تعثرا في الكلام. وهناك من يقدم نفسه أستاذا في السياسة، وهو لا يحتاج إلى قراءة البرنامج الحكومي بقدر ما يحتاج إلى إعادة مشاهدة مقطع مدته عشر ثوان، ثم تقطيعه إلى عشرين فيديو، وإضافة عنوان ناري، وموسيقى حزينة، وصورة مصغرة لرئيسة الحكومة وهي في حالة ذهول! وهكذا يصبح الخطأ الواحد عشرين زلة، والزلة الواحدة عشرين حلقة، والحلقة الواحدة موسما كاملا من التحليل الاستراتيجي. إنه اقتصاد الريع الرقمي: الحكومة تنتج البرامج، وبعضهم ينتج المشاهدات من تعثرات اللسان!
ولعل أكثر ما يثير الشفقة الممزوجة بالسخرية هو أن بعض هؤلاء يملكون من الجرأة ما يكفي لمحاكمة رئيسة الحكومة على حركة إعرابية، لكنهم لا يملكون من الصبر ما يكفي لقراءة صفحات برنامجها الحكومي. يريدون من رئيسة الحكومة أن تتحدث كما لو كانت سيبويه في حضرة الخليل بن أحمد، وأن تنطق كل حرف وكأنها تسجل نصا مرجعيا في أكاديمية اللغة العربية، بينما لا يجد بعضهم حرجا في تقديم محتوى مرتبك، مليء بالتناقضات، وبجمل تبدأ من المشرق وتنتهي في المريخ.
والحقيقة أن رئيسة الحكومة تتقن أكثر من ثلاث لغات، وهذا لا يجعلها فوق النقد، لكنه يجعل اختزال كفاءتها في تعثر لغوي عابر ضربا من العبث. فالخطأ في النطق لا يسقط برنامجا، كما أن سلامة النحو لا تصنع نجاحا حكوميا. ولو كانت السياسة تقاس بعدد الهمزات المنطوقة على الوجه الصحيح، لكان بإمكاننا استبدال الانتخابات بمباراة في الإملاء، وتشكيل الحكومة وفق نتائج امتحان في النحو والصرف. عندها سنوفر على الدولة عناء البرامج والميزانيات، ونكتفي بتعيين وزير للاقتصاد يتقن الممنوع من الصرف، ووزير للصحة لا يخطئ في جمع المؤنث السالم، ووزير للتعليم يتولى بنفسه تصحيح منشورات اليوتوبرز! لكن المشكلة أن المواطن لا يشتري الخبز بالحركات الإعرابية، ولا يعالج مرضه بسلامة مخارج الحروف، ولا يجد فرصة عمل بمجرد أن يسمع جملة سليمة نحويا.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، الذي قدم التزامات انتخابية ينبغي الدفاع عنها والعمل على تنزيلها، فإن مسؤوليته السياسية تقتضي أن يخوض النقاش في مضمونه الحقيقي، وأن يواجه الانتقادات الجادة بالحجة والبيانات والنتائج. فلا أحد يطلب من المعارضين التصفيق للبرنامج، ولا أحد يمنع الإعلام من مساءلة الحكومة، بل إن ذلك من صميم الممارسة الديمقراطية. لكن الفرق كبير بين إعلام يسأل الحكومة: ماذا ستفعلون؟ ومتى؟ وبأي ميزانية؟ وإعلام يسألها: بكم اشتريت النظارات؟ وبين يوتوبر يفكك الاختيارات العمومية، وآخر يفكك الكلمة إلى حروف ثم يقدمها باعتبارها اكتشاف القرن. نحن لا نطالب بإسكات النقد، بل بتحريره من التفاهة؛ ولا نطالب بمنع السخرية، بل بمنع تسويقها على أنها تحليل سياسي عميق.
وفي النهاية، يبدو أن بعضهم دخل قاعة تقديم البرنامج الحكومي وفي يده دفتر ملاحظات، لكنه لم يكتب فيه شيئا عن الاقتصاد أو الصحة أو التعليم؛ كتب فقط: نظارات بخمسة آلاف درهم، همزة غير مستقرة، وكلمة تحتاج إلى إعادة الإعراب! ثم خرج ليعلن أنه كشف المستور وفضح الحكومة، بينما المواطن ما زال ينتظر جوابا عن الأسعار والشغل والخدمات العمومية. وهكذا أصبحت لدينا مدرسة سياسية جديدة: المنابر توفر الاستوديو، واليوتوبرز يوفرون العناوين النارية، والخوارزميات توفر الانتشار، أما البرنامج الحكومي فيبقى ضيفا ثانويا في حفل كبير لتوزيع جوائز أفضل زلة لسان. وإذا كان كل هذا يسمى معارضة، فماذا سنسمي مناقشة البرنامج فعلا؟ أما سؤالنا لهؤلاء فليس «مالك مزغب؟»، بل: هل قرأتم البرنامج الحكومي أصلا، أم أنكم اكتفيتم بقراءة ثمن النظارات؟
آخر الأخبار
الكوكب المراكشي يواجه الدفاع الجديدي بحضور 8000 مشجع.. وهذه تفاصيل بيع التذاكر وسحبها
بعد إعفائها من الحكومة.. ماديحة خيير تتجه لمغادرة مجلس النواب بقرار من قيادة الاستقلال
طريق حيوي بحي أزلي مغلق منذ أكثر من سنة وسط غموض يلف نتائج التحقيق
جامعة القاضي عياض ومركز ذاكرة مراكش يوقعان اتفاقية لتعزيز صون التراث الثقافي للمدينة
الدراجان المراكشيان أشرف الدغمي ومروان خربوشي ضمن المنتخب الوطني في بطولة إفريقيا للدراجات على الطريق
توقعات حالة الطقس ليوم الأربعاء
