منطق الدولة فوق الجميع: القصة الكاملة للتحول الاستراتيجي في بوصلة الدبلوماسية المغربية
✍️ : ريفي محمد مفيد
فَرَضَتِ البراغماتية الصارمة منطقها على عالم السياسة الدولية لتتوارى العواطف خلف أسوار المصالح القومية، حيث تجد الدول نفسها مُطالبة باتخاذ قرارات سيادية معقدة لضمان بقائها وحماية حوزتها الترابية.
وضمن هذا النسق الجيوسياسي، جاء القرار الاستراتيجي الذي اتخذه المغرب في دجنبر 2020 باستئناف العلاقات مع إسرائيل، متزامناً مع اختراق دبلوماسي تاريخي تمثل في اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة المغربية على الصحراء.
ولعل القراءة السطحية لهذا الحدث قد تدفع البعض إلى اختزال هذا التحول الاستراتيجي الضخم في شخص سعد الدين العثماني، الذي كان يشغل حينها منصب رئيس الحكومة.
غير أن هذا الطرح يفتقر إلى النضج المؤسساتي والسياسي، فالرجل لم يكن رئيساً للدولة بل كان يمارس صلاحيات محددة ضمن هيكل تنفيذي، بينما تُصنع القرارات الاستراتيجية الكبرى وتُحدد مساراتها في مستويات عليا من هرم الدولة. وبالتالي فإن تحميله العبء التاريخي والأخلاقي لقرار بهذا الحجم يتجافى مع أبجديات اشتغال دول المؤسسات.
إن الفهم العميق لهذه الخطوة، التي قد يختلف معها البعض من منطلقات قومية أو أخلاقية تضامناً مع الشعب الفلسطيني، يستوجب وضعها في سياقها الموضوعي بعيداً عن الانفعال. فالمغرب، وعلى امتداد عقود، وجد نفسه عالقاً في متاهات الابتزاز الممنهج من قِبل الشريك الأوروبي. فقد دأبت أوروبا على التلويح بورقة الصحراء وتمديد مهام بعثة “المينورسو” لانتزاع تنازلات سياسية واقتصادية غير معلنة في ملفات حساسة كالهجرة والأمن والفلاحة. ولم تكن الشراكة المغربية الأوروبية يوماً شراكة أنداد، بل كانت رهينة لحسابات العواصم الأوروبية التي وظفت، على سبيل المثال، الاتفاقيات المتعلقة بالمجال الصحراوي، كبروتوكول الصيد البحري الذي تبلغ عائداته السنوية نحو 208 ملايين يورو، كأداة للضغط والمساومة، مما جعل الرباط في حاجة ماسة للفكاك من هذه الوصاية التقليدية وبناء شبكة أمان دبلوماسية جديدة.
وبموازاة مع هذا الخناق الأوروبي، لم يكن المحيط الإقليمي والعربي للمملكة أقل قسوة. فمنذ استقلال البلاد عام 1956، استمرت المعاناة المغربية لاسترجاع أراضٍ ظلت ترزح تحت نير الاحتلال الإسباني كسيدي إفني والصحراء، ليصطدم المغرب لاحقاً بواقع مرير تجلى في حرب الرمال عام 1963، والتي شكلت إرهاصاً مبكراً لحجم الصدوع داخل البيت المغاربي.
وبدلاً من مقاربة قضية الصحراء كملف لتصفية الاستعمار واستكمال الوحدة الترابية، حوّلت الجزائر، التي ادعت يوماً عدم طمعها في المنطقة، هذا النزاع إلى أداة لاستنزاف المغرب عبر دعمها المطلق لجبهة البوليساريو. وفي السياق ذاته، أثبتت التجربة التاريخية أن مظلة الجامعة العربية لم تتجاوز حدود البيانات الإنشائية، حيث تباينت مواقف العواصم العربية بين داعم بصمت، ومناور يتخذ من قضية الصحراء ورقة للمقايضة، مما أكد للرباط أن الرهان على الانتماء القومي وحده لا يكفي لتحصين الأوطان.
وأمام هذه التراكمات من الخذلان الإقليمي والابتزاز الأوروبي، كان لزاماً على الدولة المغربية أن تُفعّل منطق المناورة وتُعيد ترتيب أوراقها وتوسيع هوامش تحركها.
ومن هنا، برز التحالف مع واشنطن، كقوة وازنة في مجلس الأمن، والانفتاح على قوى أخرى بآسيا وإفريقيا وإسرائيل، كضرورة حتمية لقلب موازين القوى.
وقد لاقى هذا النهج البراغماتي صدى مباشراً تمثل في تغيير جذري لمواقف قوى أوروبية كبرى، في طليعتها مدريد وباريس، اللتان انحازتا بوضوح لمبادرة الحكم الذاتي.
ورغم أن هذا التموقع الجديد لا يعني تحول المغرب إلى قوة عظمى تخشاها الدول، إلا أنه غيّر حتماً من موقعه التفاوضي وجعل قضيته الوطنية رقماً صعباً في الحسابات الدولية.
في نهاية المطاف، لا تُدار شؤون الدول وحماية أراضيها بحسن النوايا وترديد الشعارات، بل بامتلاك أوراق القوة والقدرة على نسج التحالفات.
قد يبدو اللجوء إلى خيارات خلافية كاستئناف العلاقات مع إسرائيل أشبه بتجرع السم أو الاستعانة بالشيطان لفك عقدة مستعصية، لكن العلاقات الدولية لا تعترف بمنطق الصداقات والعداوات الشخصية، بل تخضع لمعيار وحيد هو “المصلحة العليا”. ويبقى التقييم الحقيقي لنجاعة هذه الهندسة الدبلوماسية مرهوناً بما ستجنيه المملكة من مكاسب سيادية قطعية في الصحراء، وبقدرتها الفائقة على الحفاظ على شعرة معاوية بين تحالفاتها الاستراتيجية الجديدة، وبين ثوابت انتمائها العربي والإسلامي، واستمرار دعمها المبدئي والمعلن للقضية الفلسطينية.
آخر الأخبار
عاجل.. إدانة الشيخة الطراكس بالسجن النافذ
ما بعد المينورسو… الملك محمد السادس يستبق تحولات الصحراء ويرسم ملامح مرحلة جديدة
المجلس الوطني للصحافة يحث الإعلام المغربي على مواكبة تحديات الدفاع عن الوحدة الترابية
حصري : القضاء يدين “مول الحوت” في قضيته مع الكوكب المراكشي بستة أشهر حبسا موقوف التنفيذ
لجنة تأسيسية تعلن التحضير لحزب «الوحدة» بمرجعية يهودية وتحدد موعد جمعه التأسيسي
عامل الرحامنة يتفقد ورشا بيئيا بـ 26 مليون درهم سيستفيد منه 25 جماعة
