في ضواحي مراكش، تقف جماعة تسلطانت اليوم شاهدة على مفارقة صادمة: جماعة توصف بالغنية، لكنها تغرق في هشاشة طرقية تكاد تختزل معاناة ساكنتها اليومية. طرق محفّرة، مسالك مهترئة، وبنية تحتية توحي وكأن المنطقة خرجت لتوها من حرب، لا من مخططات تنموية يفترض أنها تواكب التوسع العمراني الذي تعرفه.
المشهد في تسلطانت لا يحتاج إلى تقارير تقنية لتشخيصه؛ يكفي المرور عبر أحيائها لاكتشاف حجم الاختلال. سيارات تتعرض يوميا للأعطاب، مواطنون يستنزفون ماديا لإصلاح مركباتهم، ومعاناة تتكرر بصمت في غياب أي تدخل فعلي يعيد الاعتبار لشبكة طرقية تحولت إلى عبء بدل أن تكون شريانا للحياة والتنمية.

لكن الأخطر من واقع الطرق، هو الشعور المتنامي لدى الساكنة بأن هذا الوضع ليس مجرد إهمال عابر، بل نتيجة غياب رؤية حقيقية في تدبير الشأن المحلي. فحين يغيب التخطيط، وتتراجع الأولويات، تصبح معاناة المواطنين أمرا عاديا، بل ويتم أحيانا تصوير المطالبة بالحقوق وكأنها خروج عن الصف أو “تشكيك” في المجهودات، في قلب غير مفهوم لمفهوم المواطنة.

تسلطانت، التي يفترض أن تستفيد من قربها الجغرافي من مراكش، تحولت إلى نموذج صارخ للاختلالات المركبة: بنية طرقية متدهورة، وتوسع عمراني متسارع، وغياب توازن بين النمو والتجهيز. هذا التوسع لم يكن دائما منظما، إذ تشير المعطيات الميدانية إلى انتشار البناء العشوائي بشكل لافت، بل وحتى بعض المشاريع “القانونية” التي تثير أكثر من علامة استفهام حول مصادر تمويلها وطبيعة الترخيص لها.
وفي هذا السياق، تتصاعد مخاوف من تحوّل المنطقة إلى مجال مفتوح لممارسات مشبوهة، حيث يتم ضخ أموال ضخمة مهاجرة بعضها موضوع تحقيقات دولية ، في مشاريع عقارية فاخرة، فيلات وإقامات راقية، وسط بيئة تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم. هذا التناقض الصارخ يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت تسلطانت أصبحت أرضا خصبة لتبييض الأموال، خاصة مع تزايد الحديث عن استثمارات قادمة من خارج المنطقة، تبحث عن ملاذات عقارية تحت غطاء قانوني.
الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يمتد إلى ما يعتبره متابعون “إعادة تشكيل غير معلنة” للمنطقة. أراضٍ فلاحية تُترك دون عناية أو سقي، تتحول تدريجيا إلى أراضٍ بور، قبل أن تصبح موضوع صفقات عقارية تُحوّلها إلى مشاريع عمرانية بعد الحصول على التراخيص اللازمة. في هذه العملية، تضيع الهوية الفلاحية للمنطقة، وتتحول رمزية شجرة الزيتون – التي كانت عنوانا للأصالة والاستقرار – إلى مجرد اسم يُطلق على إقامات فاخرة لا علاقة لها بجذور المكان.
هذا المسار يثير شكوكا عميقة حول وجود منطق غير معلن يدفع نحو إفراغ المنطقة من ساكنتها الأصلية، عبر تركها تواجه هشاشة الخدمات والبنيات، مقابل فتح المجال أمام فاعلين جدد يملكون القدرة المالية للاستحواذ على الأرض وإعادة تشكيلها وفق مصالحهم.
ما تعيشه تسلطانت اليوم ليس فقط أزمة طرق، بل أزمة تدبير ورؤية وعدالة مجالية. فحين تصبح الطرق وسيلة لاستنزاف المواطنين بدل خدمتهم، وحين يتحول المجال الترابي إلى ساحة صراع بين الساكنة البسيطة ورؤوس الأموال الغامضة، فإن الأمر يتجاوز الإهمال ليطرح أسئلة حقيقية حول الحكامة، والمحاسبة، ومستقبل المنطقة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
إلى متى ستظل تسلطانت رهينة طرق مهترئة، وتوسع عمراني مريب، وصمت رسمي لا يواكب حجم المعاناة؟ وهل تتحرك الجهات المسؤولة لإعادة التوازن، أم أن الأمر سيستمر إلى أن تتغير ملامح المنطقة بالكامل؟
![]()

