أعاد محتوى رقمي نشرته يوتوبر مغربية خلال الأيام الأخيرة النقاش حول واقع الصحة النفسية بالمغرب، بعدما تقاسمت مع متابعيها تفاصيل من معاناتها المرتبطة بمرحلة الطفولة، متحدثة عن معاملة وصفتها بالقاسية داخل أسرتها وما ترتب عنها من آثار نفسية ما تزال ترافقها إلى اليوم، وفق روايتها.
الا أن الغريب والخطير في الأمر أن التفاعل مع الفيديوهات لم يتوقف عند حدود التضامن مع هذه اليوتبرز فقط، بل تحول إلى موجة بوح واسعة، حيث امتلأت خانة التعليقات بشهادات لمغاربة تحدثوا بدورهم عن تجارب مؤلمة عاشوها داخل محيطهم الأسري، مؤكدين أن ممارسات اعتبروها عنيفة نفسيا تركت لديهم اضطرابات وصعوبات لا تزال تؤثر على حياتهم اليومية، وعلاقاتهم الاجتماعية ونظرتهم إلى ذواتهم.
ورغم اختلاف هذه الشهادات إلا انها تعكس واقعا غالبا ما يتم التغاضي عنه، وهو التقليل من أهمية الصحة النفسية واعتبار المعاناة الداخلية مجرد ضعف أو مبالغة، في ظل ثقافة تبرر أحيانا القسوة داخل الأسرة، بدعوى التربية الصارمة والانضباط، دون الانتباه إلى الانعكاسات بعيدة المدى على الأطفال والمراهقين.
و في السياق ذاته، يبرز غياب المواكبة النفسية المبكرة كأحد العوامل التي تساهم في تفاقم هذه الحالات، خاصة مع الخصاص المسجل في الأخصائيين النفسيين بالمؤسسات التعليمية العمومية، حيث يمر عدد كبير من التلاميذ بمراحل حساسة نتيجة مواقف مختلفة، سواء من المحيط او الأسرة ، دون تأطير أو تتبع متخصص رغم وجود مؤشرات قد تنذر باضطرابات مستقبلية.
ولا يختلف الوضع كثيرا داخل عدد من المؤسسات الصحية العمومية التي تعاني بدورها من محدودية خدمات الصحة النفسية، سواء من حيث الموارد البشرية أو البنيات المخصصة للعلاج والمتابعة ما يدفع بعض المتضررين إلى التعايش مع معاناتهم في صمت أو البحث عن حلول فردية قد لا تكون دائما مؤطرة أو مناسبة.
وتحذر فعاليات مهتمة من أن إهمال الصحة النفسية، تكون له كلفة اجتماعية حقيقية، إذ قد يتحول الألم غير المعالج إلى اضطرابات مزمنة وصعوبات في الاندماج الاجتماعي والمهني ما يجعل الاستثمار في الوقاية النفسية داخل المدرسة والمستشفى والأسرة ضرورة ملحة.
وفي الوقت الذي فتح فيه الفضاء الرقمي باب التعبير عن معاناة ظلت لسنوات طي الكتمان، يعود النقاش حول مسؤولية السياسات العمومية في إدماج الصحة النفسية ضمن الأولويات، وتعزيز حضور الأخصائيين النفسيين داخل المرافق العمومية إلى جانب نشر ثقافة الوعي بأهمية العلاج النفسي باعتباره جزءا أساسيا من الصحة العامة.
![]()

