
اختتم مجلس المستشارين أشغال الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة للولاية 2021–2027، في سياق وطني ودولي دقيق يتسم بتعاظم التحديات الجيوسياسية والاقتصادية والمناخية، وبارتفاع سقف الانتظارات الاجتماعية. وفي كلمة وازنة بالمناسبة، استعرض محمد ولد الرشيد حصيلة دورة برلمانية اتسمت بروح المسؤولية والجدية، وبانخراط مؤسساتي فاعل يعكس نضج الممارسة البرلمانية داخل المؤسسة التشريعية.
وأكد رئيس مجلس المستشارين أن اختتام هذه الدورة يشكل لحظة دستورية ومؤسساتية ذات دلالة، تتيح الوقوف على مسار المجلس خلال الفترة الماضية، واستحضار حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق مكوناته، واستشراف آفاق تطوير أدائه بما يعزز مكانته داخل النظام البرلماني، ويكرس قيم العمل المؤسساتي الرصين المنسجم مع الرؤية الإصلاحية الشاملة للمملكة، وبما يواكب انتظارات المجتمع المغربي.
وأوضح أن انعقاد الدورة جاء في ظرفية عالمية مطبوعة باللايقين، تتقاطع فيها التحولات الجيوسياسية مع الإكراهات الاقتصادية والطاقية والمناخية، وهو ما يفرض على الدول تعزيز مناعتها الداخلية وتجويد سياساتها العمومية. وفي هذا السياق، أبرز أن المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، يواصل مواجهة هذه التحولات بثقة وثبات، مستندا إلى اختيارات استراتيجية واضحة وإصلاحات هيكلية متراكمة تضع المواطن في صلب السياسات العمومية، وتعزز الاستقرار السياسي والمؤسساتي وترسخ مكانة المملكة كفاعل موثوق إقليميا ودوليا.
وعلى مستوى العمل التشريعي، أفاد المتحدث أن مجلس المستشارين صادق خلال هذه الدورة، عبر اثنتي عشرة جلسة تشريعية، على سبعة عشر مشروع قانون، من بينها ثلاثة قوانين تنظيمية، وأربعة مشاريع قوانين عادية في إطار قراءة ثانية، إضافة إلى نصوص وردت بالأسبقية طبقا لأحكام الدستور. كما حظي مشروع قانون المالية باهتمام خاص، باعتباره آخر قانون مالي في الولاية الحكومية الجارية، حيث عرف تقديم 227 تعديلا، قُبل منها 72 تعديلا، في دلالة على التفاعل الجاد والمسؤول للمجلس مع هذا النص المحوري.
وشملت الحصيلة التشريعية تكريس دور المؤسسات الدستورية في حماية الحقوق والحريات، وتعزيز الإطار القانوني المؤطر للعملية الانتخابية المقبلة، والنهوض بمنظومة التربية والتكوين والتعليم العالي، إضافة إلى تقوية المنظومة القانونية المرتبطة بالقضاء والمساطر المدنية، وتحسين شروط الحماية الاجتماعية وظروف اشتغال الموارد البشرية في عدد من القطاعات الحيوية.
وعلى صعيد الرقابة البرلمانية، عقد المجلس 34 جلسة عامة، من ضمنها جلسات مشتركة مع مجلس النواب، وأربع عشرة جلسة للأسئلة الشفهية، تمت خلالها مساءلة 25 قطاعا حكوميا. وركزت تدخلات المستشارين على القضايا الاجتماعية، والعالم القروي، والبنيات التحتية، والتشغيل، والماء، إلى جانب ملفات آنية من قبيل السكن غير اللائق، وتأهيل الموانئ، والتحول الرقمي، والتسجيل في اللوائح الانتخابية، بما يعكس انشغال المجلس بالقضايا ذات الأولوية لدى المواطنين.
كما واصل مجلس المستشارين اضطلاعه بدوره في تقييم السياسات العمومية، حيث تم اختيار موضوع مواجهة آثار التغيرات المناخية محورًا للجلسة السنوية المقبلة، إدراكا لحدة التحديات المناخية التي تواجهها المملكة، سواء من خلال الجفاف البنيوي أو مخاطر الفيضانات التي تعرفها بعض المناطق، وما تفرضه من يقظة خاصة واستباق في تدبير المخاطر.
وعلى مستوى العلاقات مع المؤسسات الدستورية، تميزت هذه الدورة بانتخاب عضو جديد بالمحكمة الدستورية، وبعقد جلسة عامة مشتركة خُصصت لتقديم عرض الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات حول أعمال المجلس، في محطة مؤسساتية بارزة للوقوف على قضايا تدبير المالية العمومية وتعزيز مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي مجال الدبلوماسية البرلمانية، واصل مجلس المستشارين حضوره الفاعل في مختلف المحافل الإقليمية والدولية، دفاعا عن القضايا الاستراتيجية للمملكة، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية. وشهدت الدورة مشاركات ولقاءات ثنائية ومتعددة الأطراف، وبيانات مشتركة أكدت على وجاهة مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وعلى المكانة المتقدمة التي تحظى بها المملكة كشريك موثوق على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وفي ختام كلمته، نوه رئيس مجلس المستشارين بتضافر جهود جميع مكونات المجلس، وبالتعاون البناء مع الحكومة، وبالدور الذي يضطلع به أطر وموظفو المجلس ووسائل الإعلام الوطنية في مواكبة العمل البرلماني وتقريبه من الرأي العام، مجددا التأكيد على تشبث المجلس بالثوابت الوطنية، واستمراره في أداء مهامه الدستورية بما يخدم المصلحة العامة ويعزز الثقة في المؤسسة التشريعية.






