
احتضنت العاصمة الرباط، يوم 29 يناير 2026، أشغال الدورة الخامسة للمنتدى البرلماني المغربي-الفرنسي، في محطة سياسية وتشريعية بالغة الدلالة، عكست عمق العلاقات التاريخية بين المملكة المغربية والجمهورية الفرنسية، وأبرزت في الآن ذاته ملامح مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية القائمة على التنسيق السياسي، والتكامل الاقتصادي، والتعاون المؤسساتي.
وانعقد المنتدى تحت الرئاسة المشتركة لرؤساء المؤسسات التشريعية في البلدين، بمشاركة مجلس النواب ومجلس المستشارين من الجانب المغربي، والجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ من الجانب الفرنسي، في سياق دولي وإقليمي معقد، يتسم بتزايد التحديات الجيوسياسية، وتفاقم آثار التغيرات المناخية، وتصاعد المخاطر الأمنية العابرة للحدود.
دينامية جديدة للعلاقات الثنائية
جاءت أشغال هذه الدورة في ظل الزخم الإيجابي الذي تشهده العلاقات المغربية-الفرنسية، خاصة عقب زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إلى المملكة في أكتوبر 2024، بدعوة من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، والتي توجت بتوقيع إعلان الشراكة الاستثنائية الوطيدة، إلى جانب عدد من الاتفاقيات وآليات التعاون في مجالات استراتيجية.
وأكد المشاركون أن هذا الإعلان يشكل مرجعية سياسية جديدة للعلاقات الثنائية، ويعكس إرادة قيادتي البلدين في الارتقاء بالشراكة إلى مستويات أكثر عمقا وفعالية، مع انخراط واضح للمؤسسات التشريعية في مواكبة هذه الدينامية، وتعزيز الحوار البرلماني المنتظم كرافعة أساسية للدبلوماسية الثنائية.
قضايا محورية ورهانات مشتركة
ناقش المنتدى جملة من القضايا ذات الأولوية، شملت الشراكة الاقتصادية وآفاقها المستقبلية، والانتقال الطاقي والاقتصاد الأخضر، وحقوق المرأة ومشاركتها في الحياة العمومية، إضافة إلى الأمن ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، إلى جانب تعزيز التعاون البرلماني داخل الأطر متعددة الأطراف.
وفي هذا السياق، توقف المشاركون عند التحديات العالمية الراهنة، وعلى رأسها الاختلالات المناخية وتداعياتها الاقتصادية والإنسانية، والنزاعات المسلحة وما تفرزه من موجات نزوح وهجرة، فضلا عن التهديدات الأمنية المرتبطة بالإرهاب، مؤكدين ضرورة اعتماد مقاربات مندمجة تجمع بين التنمية والاستقرار والتعاون الدولي.
دعم واضح للوحدة الترابية للمملكة
في ختام أشغال المنتدى، عبّر ممثلو المؤسسات التشريعية في البلدين عن ارتياحهم الكبير لمضامين إعلان الشراكة الاستثنائية، مجددين التزامهم التام بتفعيله على المستوى البرلماني. كما جدد البرلمان المغربي تقديره للمواقف الفرنسية الواضحة والداعمة للوحدة الترابية للمملكة، ولاسيما التأكيد على أن حاضر ومستقبل الصحراء المغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية، ودعم مبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي جدي وواقعي.
كما رحب رؤساء المجالس التشريعية الأربعة باعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2797، داعين جميع الأطراف المعنية إلى الانخراط الجدي والمسؤول في تنفيذه، بما يخدم الأمن والاستقرار الإقليميين.
الأقاليم الجنوبية في صلب التعاون المستقبلي
وشدد المنتدى على الأهمية الاستراتيجية للأقاليم الجنوبية للمملكة، باعتبارها فضاء واعدا للتعاون الثنائي، وحلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا، مع الدعوة إلى جعلها مجالا مفضلا للاستثمار المشترك، خاصة في مجالات الانتقال الإيكولوجي، والطاقات المتجددة، وتثمين الموارد، وخلق فرص الشغل لفائدة الشباب.
نحو شراكة مستدامة ومتعددة المستويات
وأكد المشاركون أن الشراكة المغربية-الفرنسية تفتح آفاقا واعدة في مجالات الأمن الغذائي، والفلاحة المستدامة، والصيد البحري المسؤول، والتجهيزات الأساسية، والنقل، وتحلية مياه البحر، بما يعزز السيادة الاقتصادية للبلدين ويساهم في الأمن الغذائي العالمي.
كما عبّر المنتدى عن دعمه لتطوير شراكة متقدمة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، مع الدعوة إلى توفير الضمانات القانونية الضرورية لاستدامة الاتفاقيات الثنائية.
تعاون برلماني ودبلوماسية فاعلة
وسجل المنتدى بارتياح كبير متانة العلاقات بين المؤسسات التشريعية في البلدين، وما راكمته من تجارب ناجحة في إطار اتفاقيات التعاون والتوأمة البرلمانية، مؤكدا أهمية تثمين هذه المكتسبات عبر برامج تعاون تقني مستدامة، تعزز تبادل الخبرات وتطوير الممارسات البرلمانية الفضلى.
وفي ختام أشغاله، قرر المنتدى إحالة نص البيان الختامي على حكومتي البلدين، مع الاتفاق على عقد الدورة المقبلة في العاصمة باريس، في موعد يتم تحديده بالتشاور، تأكيدا لاستمرارية هذا الفضاء البرلماني كآلية استراتيجية لتعزيز التقارب، وترسيخ الشراكة الاستثنائية بين الرباط وباريس.







