
لم يكن توقف القطار المتجه من الدار البيضاء إلى مراكش لأزيد من ساعة، مباشرة بعد مغادرته محطة الدارالبيضاء المسافرن، سوى حلقة جديدة في مسلسل أعطال لا ينتهي، يعكس واقعا مقلقا تعيشه منظومة السكك الحديدية بالمغرب. واقعة أثارت غضب المسافرين، خصوصا في ظل غياب أي تواصل أو توضيح من المسؤولين، وكأن ما يحدث أمر عادي لا يستحق حتى الاعتذار.
والأخطر من ذلك، أن هذا التوقف لم يكن حادثا ممعزولا، إذ عرف خط السكك الحديدية، طيلة الأسبوع الماضي، توقفات متكررة ومتعددة على امتداد أيام الأسبوع، ما أربك تنقلات آلاف المواطنين، وحوّل القطار من وسيلة نقل يفترض فيها الانتظام والموثوقية، إلى مصدر قلق يومي. ويكفي ما وقع مؤخرا بمنطقة سيدي قاسم ليعري بشكل فاضح واقع الهشاشة التي باتت تطبع البنية التحتية السككية، ويطرح علامات استفهام كبرى حول جاهزيتها وقدرتها على الصمود أمام أدنى اضطراب.
التساقطات المطرية الأخيرة، التي لم تكن استثنائية، كشفت بدورها عورة شبكة سككية متهالكة، عاجزة عن التكيف مع ظروف مناخية موسمية، يفترض أن تكون محسوبة ضمن برامج الصيانة والاستباق. أمطار عادية تحولت إلى عامل شلل، وامتحان فشل ذريع لمنظومة تدّعي التحديث والجودة.
غير أن العطب الحقيقي لا يكمن فقط في القضبان أو التجهيزات، بل في منطق التدبير. فحسب شهادات ركاب، لم يتلق المسافرون أي تفسير لأسباب التوقف، ولا أي تواصل يراعي الحد الأدنى من الاحترام، في مشهد يتكرر مع كل عطب، ويعكس استخفافا واضحا بشكاوى المواطنين ومعاناتهم.
وفي ظل هذا الصمت، لجأ رواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى السخرية السوداء، حيث انتشرت تعليقات تهكمية من قبيل: «الخليع ما خلصش وقطعوا عليه الضوء والماء»، وهي نكتة تحمل في طياتها غضبا حقيقيا واحتجاجا صريحا على ما يعتبره كثيرون فشلا بنيويا في تدبير هذا المرفق الحيوي.
وتتجه أصابع الاتهام مباشرة إلى المدير العام للمكتب الوطني للسكك الحديدية، محمد ربيع الخليع، الذي يواجه انتقادات متزايدة بسبب ما يصفه متابعون بـ«العجرفة الإدارية» والإصرار على تجاهل شكاوى المواطنين، دون تقديم توضيحات للرأي العام أو تحمل المسؤولية السياسية والإدارية عن سلسلة الأعطال المتكررة.
ويرى متابعون أن ما يقع اليوم هو نتيجة تراكم سنوات من ضعف الصيانة، وتأخر تحديث الشبكة التقليدية، والتركيز على مشاريع كبرى دون معالجة الأعطاب اليومية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. فالأمطار لم تُحدث المشكلة، بل كشفتها فقط، وفضحت واقعا بنيويا هشّا طال إخفاؤه خلف شعارات التطوير.
وفي ظل هذا الوضع المتأزم، يتساءل الرأي العام: إلى متى سيظل المسافر المغربي رهينة قطارات تتوقف بلا إنذار، وبنية تحتية لا تصمد، ومسؤول أول يصر على الصمت وتجاهل الغضب المتراكم؟ وإلى متى سيبقى العبث بمرفق عمومي استراتيجي دون محاسبة حقيقية؟
أسئلة حارقة، تزداد إلحاحا مع كل توقف جديد، ومع كل ساعة ضياع يتحملها المواطن وحده، في انتظار إصلاح حقيقي يتجاوز الخطابات إلى الفعل.




