
في تلك الليلة الثقيلة، لم تكن الكرة وحدها تدور فوق العشب، بل كانت قلوب المغاربة جميعًا تدور معها، معلّقة بين رجاء لا ينطفئ وخوف لا يُقال. كان نهائي كأس إفريقيا أكثر من مباراة، كان موعدًا مع التاريخ، مع الحلم المؤجّل، مع وعد قطعته الأقدام المتعبة والصدور العامرة بالإيمان.
دخل المنتخب الوطني المغربي الملعب لا كضيف عابر، بل كوريث شرعي لطموح كبير، صنعه بالعمل، بالصبر، وبسنوات من المعاناة والانتظار. لاعبون حملوا القميص وكأنهم يحملون الوطن بأسره، ركضوا لا من أجل أسمائهم، بل من أجل طفل رسم العلم على خده، ومن أجل أمّ رفعت يديها بالدعاء، ومن أجل شعب أراد أخيرًا أن يفرح دون قيود.
لكن، وبينما كانت الجماهير تحبس أنفاسها، كان هناك شيء ينكسر بصمت… شيء اسمه العدل.
لم يكن الخصم أقوى، ولم يكن الأداء المغربي أقل شأنًا، بل كان المشهد أكبر من مجرد تنافس رياضي. قرارات تحكيمية جاءت باردة كالسكاكين، تقطع في اتجاه واحد، وتتجاهل ما لا يُراد له أن يُرى. لقطات واضحة، لحظات فاصلة، كان فيها الحق مغربيًا، لكن الصافرة اختارت الصمت، أو اختارت طريقًا آخر.
في تلك اللحظات، لم يكن الغضب هو الشعور الأقوى، بل الذهول. ذهول من كيف يمكن لحلم جماعي أن يُدار بهذه القسوة، وكيف يمكن للعرق أن يُقابل بالجحود، وللجهد أن يُكافأ بالإنكار. رأينا لاعبين يقاتلون حتى آخر رمق، ثم رأينا أحلامهم تُسحب من بين أقدامهم دون تفسير يُقنع القلب قبل العقل.
ومع ذلك، لم يسقط الأسود. سقطت النتيجة، نعم، لكن الكرامة بقيت شامخة. خرج اللاعبون بعيون دامعة، لكن برؤوس مرفوعة، لأنهم يعرفون، ونحن نعرف، أن الهزيمة الحقيقية ليست في خسارة لقب، بل في خيانة المبادئ. والمغرب لم يخن يومًا كرة القدم، بل احترمها، حتى حين لم تحترمه.
ذلك النهائي لم يكن مجرد خسارة كأس، بل كان درسًا قاسيًا في أن العدالة في الملاعب ليست دائمًا مضمونة، وأن الطريق إلى المجد الإفريقي ما زال محفوفًا بما هو أكثر من المنافسين. لكنه كان أيضًا لحظة وعي جماعي، أدرك فيها المغاربة أن منتخبهم أصبح كبيرًا إلى درجة يُخشى فيها فوزه، ويُحسب له ألف حساب.
سيظل ذلك النهائي محفورًا في الذاكرة، لا كذكرى هزيمة، بل كحكاية ظلم، وكشهادة على فريق رفض أن ينكسر. سيظل جرحًا مفتوحًا، نعم، لكنه جرح يُنبت العزيمة، ويُغذي الإصرار، ويُذكّرنا بأن الحلم المغربي لا يُقتل، بل يؤجَّل.
وسيأتي يوم، قريب أو بعيد، تُصافح فيه الكأس أيادي تستحقها، يوم يُنصف فيه العشب من داسه بصدق، ويُكافأ فيه من لعب بشرف. إلى ذلك الحين، سيبقى المنتخب المغربي رمزًا للكرامة، ودليلًا على أن الظلم قد يسرق لحظة، لكنه لا يستطيع سرقة التاريخ.
مغربية حتى النخاع🇲🇦💪🏻






