
بقلم :حَبيل رشيد.
يقول هنري كيسنجر:«إن السياسة الخارجية فعلٌ تراكمي طويل النفس… يبدأ بفهم التاريخ، ويمرّ عبر إدراك موازين القوة، وينتهي عند القدرة على تحويل المصالح إلى خيارات مستقرة. فالدول التي تستوعب موقعها داخل العالم المتحوّل تعرف كيف تتحرك بهدوء، وكيف تحمي مصالحها دون أن ترفع صوتها أو تستعرض قوتها».

احتضنت المكتبة الوطنية للمملكة المغربية بالرباط، مساء الجمعة 16 يناير 2026، أشغال مناقشة وتقديم وتوقيع كتاب “العلاقات الدولية للمغرب” للأستاذ تاج الدين الحسيني، في لقاء علمي وثقافي استقطب حضورًا وازنًا من الأكاديميين، والفاعلين القانونيين، والباحثين في قضايا السياسة والعلاقات الدولية، إلى جانب جمهور واسع من المهتمين بالشأن العام، ما منح هذه التظاهرة طابعًا معرفيًا لافتًا، وحضورًا نوعيًا يعكس أهمية الموضوع ومكانة مؤلفه.

وجاء هذا اللقاء في لحظة يتزايد فيها الاهتمام بقضايا السياسة الخارجية، ويتعاظم فيها الطلب على أعمال علمية قادرة على تفسير التحولات الدولية، وشرح تموقع الدول داخل نظام عالمي شديد التعقيد… ومن هذا المنطلق، بدا الكتاب موضوع النقاش، باعتباره عملًا يسعى إلى تقديم قراءة متأنية لمسار العلاقات الدولية للمغرب، عبر تتبع محطاتها الأساسية، وتحليل اختياراتها، واستجلاء محدداتها التاريخية والسياسية.
وقد شارك في تأطير هذا اللقاء كل من إدريس الضحاك، والنقيب عزيز الرويبح، وعبد الوهاب البلوقي، وزكريا أبو الذهب، والدكتور محمد حركات، حيث تنوّعت المداخلات بتنوّع زوايا النظر، وتكاملت القراءات بما أتاح نقاشًا غنيًا، تجاوز العرض العام إلى مساءلة القضايا الجوهرية التي يثيرها الكتاب.
في هذا السياق، توقف إدريس الضحاك عند البعد المؤسساتي الذي يؤطر العلاقات الدولية، مبرزًا أن الكتاب يعالج السياسة الخارجية المغربية من داخل بنية الدولة، ومن خلال تتبع مسار تشكّل القرار الدبلوماسي، والعوامل المؤثرة فيه، سواء على المستوى الداخلي أو في تفاعله مع المحيط الدولي… وهو ما يتيح للقارئ فهمًا أعمق لخلفيات المواقف، وسياق اتخاذ القرار.
ومن زاوية قانونية، ركّز النقيب عزيز الرويبح على حضور القانون الدولي في تحليل العلاقات الخارجية للمغرب، مشيرًا إلى أن المؤلف يولي أهمية واضحة للإطار القانوني المنظم لعلاقات الدولة، سواء في تعاطيها مع المنظمات الدولية أو في تدبير القضايا ذات البعد السيادي، معتبرًا أن هذا البعد يمنح للكتاب قيمة مضاعفة، لأنه يربط الممارسة الدبلوماسية بأسسها القانونية.
أما عبد الوهاب البلوقي، فقد أبرز الطابع التحليلي للعمل، موضحًا أن الكتاب لا يكتفي بسرد الوقائع أو تتبع الأحداث، بل يسعى إلى فهم خلفياتها، وقراءة موازين القوى التي تحكم العلاقات الدولية، واستيعاب التحولات الجيوسياسية التي تؤثر في تموقع المغرب داخل محيطه الإقليمي والدولي.
وفي الاتجاه نفسه، أشار زكريا أبو الذهب إلى أن الكتاب يقدّم صورة شاملة لمسار السياسة الخارجية المغربية، من خلال رصد علاقاتها الثنائية والمتعددة الأطراف، مع تركيز خاص على العمق الإفريقي، والشراكات الاستراتيجية، والتحولات التي فرضتها المتغيرات الدولية، معتبرًا أن هذا الاشتغال يجعل من الكتاب إضافة نوعية للمكتبة السياسية الوطنية.
من جانبه، أكّد الدكتور محمد حركات على القيمة الأكاديمية للعمل، مبرزًا أن المؤلف نجح في الجمع بين التحليل النظري والمعطيات الواقعية، وبين القراءة التاريخية والرؤية الاستراتيجية، ما يجعل الكتاب مرجعًا قابلًا للاعتماد في البحث الجامعي، ومادة أساسية للنقاشات المتخصصة في مجال العلاقات الدولية.
وتكاملت هذه القراءات في ما بينها، فانتقل النقاش بسلاسة من الإطار العام إلى التفاصيل الدقيقة، ومن الوقائع إلى دلالاتها، ومن التحليل إلى الأسئلة الكبرى المرتبطة بدور المعرفة في فهم السياسة الخارجية… وهو ما أضفى على اللقاء انسجامًا فكريًا واضحًا، وجعل النقاش يتقدم بخطى ثابتة دون انقطاع أو تشتيت.
الأستاذ تاج الدين الحسيني، وفي كلمته خلال اللقاء، عبّر عن امتنانه للحضور وللمتدخلين، موضحًا أن هذا الكتاب ثمرة مسار بحثي طويل، هدفه الإسهام في فهم السياسة الخارجية المغربية، عبر مقاربة علمية تراعي تعقيدات الواقع الدولي، وتبتعد عن التبسيط أو الاختزال، مع التأكيد على أن هذا العمل يظل مفتوحًا على النقاش والتطوير.
وشهد اللقاء تفاعلًا ملحوظًا من الحاضرين، حيث طُرحت أسئلة همّت منهجية الكتاب، ومقارباته، وآفاق البحث في مجال العلاقات الدولية بالمغرب، إضافة إلى نقاشات حول دور الجامعة ومراكز البحث في إنتاج معرفة سياسية قادرة على مواكبة التحولات الدولية المتسارعة.
واختُتمت أشغال هذا الموعد الثقافي بتوقيع الأستاذ تاج الدين الحسيني لنسخ من كتابه، وسط إقبال لافت من الحضور، في أجواء طبعتها الجدية والاهتمام، وأكدت أن الكتاب السياسي، حين يُقدَّم في إطار نقاش علمي منفتح، يظل قادرًا على استقطاب القارئ، وإعادة الاعتبار للنقاش الفكري الرصين حول قضايا العلاقات الدولية والسياسة الخارجية.
![]()







