
خيّمت أجواء غير مسبوقة من الدهشة والقلق على اجتماع الفريق النيابي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمقر مجلس النواب ، وهو الاجتماع الذي سجّل أعلى نسبة حضور منذ بداية الولاية التشريعية، ليس بدافع مناقشة أجندة تشريعية أو تقييم أداء حكومي، بل تحت ضغط سؤال واحد طغى على كل النقاشات: ماذا جرى بالضبط، وماذا سيجري بعد قرار عزيز أخنوش وضع حد لمساره السياسي والحزبي؟
داخل القاعة، بدت ملامح اليأس والحيرة واضحة على عدد من البرلمانيين، وسط صمت ثقيل ووجوه تبحث عن تفسير مقنع لما اعتبره كثيرون قرارا مباغتا، لم تسبقه إشارات داخلية كافية. الاجتماع، الذي تحوّل إلى ما يشبه جلسة استفسار جماعي، عكس حجم الارتباك الذي أحدثه الإعلان، خاصة أن عددا من الحاضرين أكدوا أنهم علموا بالقرار في توقيت متأخر، ودون تمهيد تنظيمي يتناسب مع وزن اللحظة.
هذا الإحساس بالمفاجأة تعزز، وفق معطيات متداولة داخل الحزب، بتحركات غير مألوفة رافقت الساعات اللاحقة للإعلان، أبرزها تواجد أخنوش نفسه بمقر الحزب طيلة يوم أمس الاحد، من التاسعة والنصف صباحا إلى نهاية الزوال، في وقت كان يفترض أن يكون فيه القرار محسوما ومضبوط الإيقاع. هذا الحضور الطويل فتح الباب أمام فرضية أن ما وقع لم يكن سيناريو جاهزا بالكامل، بل لحظة معقدة حاول فيها الرجل تدبير تداعيات قرار بدا أثقل من مجرد إعلان تنظيمي.
داخل الفريق النيابي، انقسمت القراءات بين من تمسك بالرواية الرسمية التي تربط الخطوة باحترام النظام الداخلي للحزب، وبين من عبّر صراحة عن شكوكه في أن الأمر يتجاوز ذلك إلى فرضية إبعاد سياسي ناعم. هذا الشك لم يأت من فراغ، بل تغذى من معطى أساسي، هو أن الحزب كان قد دخل فعليا في حملة تواصلية واسعة، وانتقل من خطاب يرتكز على مسار الانجازات الحكومية إلى التحضير لمسار جديد أُعلن عنه مؤخرا، مع استعدادات قبلية وتنظيمية مكثفة توحي باستمرارية القيادة لا بنهايتها المفاجئة.
عدد من أعضاء الفريق عبّروا، خلال الاجتماع، عن قناعة بدأت تترسخ مفادها أن قرار إنهاء المسار السياسي لأخنوش لا ينسجم مع دينامية التعبئة التي عاشها الحزب في الأسابيع الأخيرة، ولا مع حجم الاستثمار التنظيمي والتواصلي الذي تم إطلاقه، ما جعل التساؤل يتجاوز مسألة النظام الداخلي إلى البحث عن معادلات أخرى قد تكون فرضت هذا المنعطف.
ويذهب هذا التيار إلى أن لقاء نهاية الأسبوع، الذي سبق الإعلان الرسمي، شكّل لحظة فاصلة، حيث جرى، سياسيا، توقيع نهاية مسار أخنوش، سواء بقرار ذاتي تحت ضغط السياق، أو نتيجة ترتيبات داخلية وخارجية لم يكن بالإمكان مقاومتها. في المقابل، يرى مدافعو الرواية التنظيمية أن ما حدث يعكس ممارسة ديمقراطية داخلية، حتى وإن بدت قاسية في توقيتها.
بين هذين التأويلين، يبقى اجتماع الفريق النيابي علامة فارقة، ليس فقط لأنه كشف حجم الارتباك داخل الحزب، بل لأنه أظهر أن قرار الرحيل لم يكن عاديا ولا سلسا كما جرى تقديمه، وأن تداعياته لا تزال مفتوحة على أسئلة كبرى تتعلق بمستقبل حزب التجمع الوطني للأحرار، وبالموقع الذي سيشغله أخنوش بعد أن أُسدل الستار، على ما يبدو، على واحدة من أكثر التجارب السياسية إثارة للجدل في السنوات الأخيرة.







