
بقلم : الكاتب والمسرحي / خالد شريف
في ديوانه الزجلي «منشور علني»، يقدّم الشاعر نصرالدين خيامي بلمهدي تجربة شعرية خارجة عن المألوف، لا تراهن على الغناء ولا على الترف الجمالي، بل تختار منذ البداية موقعها الواضح: الاحتجاج، والفضح، ورفع الصوت في وجه واقع عربي مأزوم.
العنوان نفسه يحمل دلالته كاملة؛ فنحن أمام “منشور” لا قصيدة ناعمة، و”علني” لا يُقال همسًا. هو كلام موجّه إلى الفضاء العام، بلا مواربة، وبلا أقنعة.
»»زجل بلا أقنعة
لا يتعامل الشاعر مع الزجل بوصفه قالبًا فنيًا للتسلية أو التعبير الوجداني فقط، بل يجعله أداة مساءلة سياسية وأخلاقية. قصائد الديوان تبدو أقرب إلى بيانات شعبية، أو هتافات مكتوبة، تتكئ على اللغة اليومية، وتسحبها من بساطتها لتضعها في مواجهة السلطة، والخوف، والنفاق.
اللافت في الديوان هو غياب “الأنا” المتعالية. فالشاعر لا يتحدث من برج عاجي، بل يذيب صوته في صوت الجماعة. “أنا” القصيدة هنا هي:
»»المواطن المقموع
»»المثقف المخذول
»»الإنسان العالق بين الخوف والغضب
»»إنها “أنا” جمعية، مأزومة، تسأل أكثر مما تجيب.
»»لغة الشارع… بوعي فني
يعتمد الديوان على زجل هجين، عابر للهجات، تتقاطع فيه مفردات من فضاءات عربية مختلفة. هذا التنوع اللغوي لا يبدو اعتباطيًا، بل يعكس قناعة واضحة بأن الوجع العربي واحد، وإن اختلفت اللهجات.
اللغة: هجينة واعية لا فوضوية
لغة الديوان تتكئ على زجل عابر للحدود:
فلسطيني
مغربي
مصري
شامي
وهذا التهجين ليس ضعفًا بل خيار جمالي وسياسي؛ فالقهر واحد، والجلاد واحد، وإن اختلفت اللهجات. المفردة الشعبية تُستعمل بكثافة، لكنها لا تسقط في الابتذال، بل تتحول إلى أداة فضح:
اللغة الشعبية هنا ليست مبتذلة، بل حادة، ساخرة، وأحيانًا قاسية. السخرية السوداء حاضرة بقوة، خصوصًا في النصوص التي تهاجم:
»»السلطة السياسية
»»المخبر
»»النخب الثقافية المزيّفة
»»الشعارات الفارغة
القصيدة لا تجمّل الواقع، بل تكشفه، أحيانًا بفظاظة مقصودة.
ثيمات الغضب والخذلان
يدور الديوان حول مجموعة من الثيمات المركزية، أبرزها:
القمع بوصفه أسلوب حياة
الخوف المزروع في التفاصيل اليومية
خيانة النخب والمثقفين
الوطن الذي تحوّل من حلم إلى عبء
الوطن في «منشور علني» لا يُقدَّم كرمز رومانسي، بل ككيان منهك، يُستعمل اسمه لتبرير القهر، وتُرتكب باسمه كل الخيبات.
تكرار مقصود… لا ضعف فني
يعتمد الشاعر على التكرار واللازمات الإيقاعية بشكل واضح. وقد يبدو هذا مرهقًا للقارئ أحيانًا، لكنه يخدم فكرة أساسية في الديوان: الدوران في حلقة مفرغة. التكرار هنا محاكاة فنية لواقع سياسي يعيد إنتاج نفسه بلا نهاية.
»»»غلاف «منشور علني»… السؤال بوصفه إدانة
لا يأتي غلاف ديوان «منشور علني» لنصرالدين خيامي بلمهدي بوصفه عنصرًا بصريًا مكمّلًا للنص، بل كعتبة دلالية حاسمة، تختصر روح الديوان وتوجّه قارئه منذ اللحظة الأولى نحو جوهر التجربة: السؤال، والاحتجاج، والشك في المسلّم.
في الواجهة الأمامية، يهيمن اللون الأحمر الداكن، لون الدم والغضب والإنذار، بما يحمله من إيحاءات مرتبطة بالعنف السياسي والتوتر الاجتماعي. هذا الأحمر لا يُستخدم للزينة، بل ليضع القارئ في حالة استنفار بصري ونفسي، وكأن الغلاف نفسه يرفع لافتة احتجاج.
في قلب الغلاف، تظهر هيئة إنسانية بلا رأس، يتصدّرها علامة استفهام ضخمة تحلّ محلّ الرأس المفقود. هذه الصورة البسيطة والمباشرة تحمل دلالة عميقة:
الإنسان المعاصر منزوع الرأس، أو بالأحرى منزوع اليقين، مشوّش الوعي، محكوم بالأسئلة أكثر من الأجوبة. علامة الاستفهام هنا ليست أداة لغوية، بل رمزًا للتيه، ولانقطاع المعنى في واقع عربي مأزوم.
الجسد المرسوم بملامح شبه كلاسيكية يوحي بالإنسان العاري من الزيف، لكنه في الوقت نفسه إنسان بلا صوت واضح، بلا رأس يقوده، في انسجام تام مع روح الديوان التي تفضح تغييب العقل، وتفكك الشعارات الجاهزة.
العنوان: تصريح لا تلميح
اختيار عنوان «منشور علني» بخط واضح وحاد يعزّز هذا التوجّه. العنوان لا يلمّح ولا يراوغ، بل يعلن نفسه كبيان مفتوح. هو منشور يُعلّق على الجدران، لا قصيدة تُخفى بين الصفحات. حتى تصميم العنوان يخدم هذه الفكرة، إذ يأتي مباشرًا، بلا زخرفة لغوية، وكأنه صرخة مكتوبة.
الغلاف الخلفي: الصوت يعود… لكن بشروط
على الغلاف الخلفي، ينتقل المشهد من الرمز إلى الصوت. مقطع شعري واضح يعلن موقفًا أخلاقيًا:
«والعدل نايم وسط المحاكم… لا مظلوم لا ظالم…»
هنا، تتكامل الصورة مع الكلمة. فالقصيدة تؤكد ما بدأه الغلاف الأمامي: عالم مقلوب القيم، مختلّ المعايير، تختلط فيه العدالة بالوهم، واللغة بالشارب، والشمس بتروس المراتب.
صورة الشاعر في الخلف، بملامح هادئة ولباس رسمي، تخلق مفارقة لافتة مع حدّة النصوص. إنها مفارقة مقصودة: الكاتب بوصفه شاهدًا، لا مهرّجًا؛ إنسان عادي يحمل غضبًا غير عادي.
»»وحدة الرؤية
ما يميّز هذا الغلاف هو انسجامه التام مع محتوى الديوان. لا توجد فجوة بين النص والصورة، لأن كليهما صادران عن الرؤية نفسها. الغلاف لا يجمّل النص، بل يختصره بصريًا، ويهيئ القارئ لدخول عالم زجلي قاسٍ، ساخر، ومشحون بالأسئلة.
غلاف «منشور علني» ليس غلافًا محايدًا، ولا يسعى إلى استدراج القارئ جماليًا بقدر ما يستفزه فكريًا. إنه غلاف يطرح سؤالًا قبل أن يفتح الكتاب، ويضع القارئ أمام حقيقة بسيطة ومقلقة:
حين يُقطع الرأس، لا يبقى سوى السؤال.
وهو، في هذا المعنى، غلاف يفي تمامًا بوعد العنوان: منشور، وعلني، ولا يقبل الصمت.
»»» خلاصة
«منشور علني» ليس ديوانًا سهلًا، ولا يسعى إلى إرضاء القارئ أو استدراجه بالعاطفة. إنه كتاب غضب واعٍ، وزجل يرفض التدجين، ويصرّ على قول ما يُخشى قوله.
قد يختلف القرّاء حول حدّته أو لغته القاسية، لكن المؤكد أن هذا الديوان ينجح في أمر نادر:
أن يجعل الزجل أداة مساءلة، لا مجرد فن للإنشاد.
هو ديوان يُقرأ لا للمتعة فقط، بل للفهم، وللصدام، ولتذكيرنا بأن الكلمة، حين تفقد زينتها، قد تكسب صدقها.







