
وجه محمد صباري، النائب الأول لرئيس مجلس النواب، والمحامي بهيئة مراكش، انتقادات صريحة لأداء الحكومة في المجال التشريعي، محذرا من اختلالات بنيوية باتت تعيق إصلاح منظومة العدالة وتهدد بشل عمل المحاكم، وذلك خلال مداخلة له في ندوة وطنية نظمتها جمعية هيئة المحامين بمكناس والرشيدية بشراكة مع المجلس الوطني لحقوق الانسان.
وأكد صباري أن تجربته الأكاديمية والمهنية كمحام وباحث قادته إلى التقدم بعدة مقترحات قوانين، غير أن الواقع الدستوري والممارسة السياسية أظهرا أن مصير هذه المبادرات يظل رهينا بإرادة الحكومة، مشددا على أن هذه الأخيرة لا تتفاعل في الغالب مع مقترحات القوانين، وهو ما يفرغ العمل التشريعي من جزء مهم من مضمونه الرقابي والإصلاحي.
وتوقف المتحدث عند تعثر إخراج قانون المسطرة المدنية، الذي تم إعداد مشروعه منذ سنة 2000، دون أن ينجح أي من الوزراء المتعاقبين، رغم كفاءتهم المهنية، في إدراجه ضمن جدول أعمال المجلس الحكومي وإحالته على المؤسسة التشريعية. واعتبر أن هذا التعثر يكشف وجود اعتبارات أخرى تفرمل المسار التشريعي خارج منطق النقاش المؤسساتي الطبيعي.
ولم يختلف الوضع، حسب صباري، بالنسبة لقانون المسطرة الجنائية، الذي أُنجز في إطار الهيئة العليا لإصلاح منظومة العدالة بعد مشاورات موسعة وندوات متعددة، غير أنه ظل بدوره حبيس رفوف الحكومة، رغم أن من تولوا حقيبة العدل خلال هذه المرحلة كانوا من المحامين المعروفين بدفاعهم الشرس عن استقلالية العدالة.
وأوضح النائب الأول لرئيس مجلس النواب أن المسطرة التشريعية لا تنطلق فعليا إلا بعد إحالة النصوص على المجلس الحكومي ثم البرلمان، حيث تخضع للمناقشة داخل اللجان والتصويت، في ظل تركيبة برلمانية لا تشكل فيها فئة المحامين سوى أقلية، ما يطرح إشكالية مدى تقاسم باقي المكونات البرلمانية لنفس الهواجس المرتبطة بمهنة المحاماة وإصلاح العدالة.
وفي معرض حديثه عن سحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع، شدد صباري على أن القرار كان حكوميا خالصا، مبرزا أن الحكومة، بحكم الدستور، تملك حق سحب مشاريع القوانين التي تقدمت بها، ولا يمكن للمؤسسة التشريعية أن تفرض عليها الاستمرار في مسارها، نافيا في الوقت ذاته أن يكون في موقع الدفاع عن الحكومة أو تبرير مواقفها.
أما بخصوص مشروع القانون المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين، فأكد أن البرلمان قام بدوره كاملا، حيث تمت المصادقة على النص داخل اللجنة والجلسة العامة، قبل أن تعيده المحكمة الدستورية بسبب عدم دستورية بعض المقتضيات. وأوضح أن الحكومة أعادت إحالته من جديد على البرلمان، وتمت مناقشته بلجنة العدل والتشريع، مع توقع المصادقة عليه خلال الفترة القريبة المقبلة.
غير أن صباري عبر عن تخوفات جدية من التطبيق العملي لهذا النص، محذرا من أن فتح باب الدفع بعدم الدستورية على نطاق واسع قد يؤدي إلى شلل شبه كامل في عمل المحاكم، في ظل وجود محكمة دستورية واحدة غير قادرة على البت في الكم الهائل من الملفات التي قد تحال عليها. ودعا في هذا السياق إلى التفكير في تعديل دستوري يفرض الإحالة الوجوبية لجميع القوانين على المحكمة الدستورية، من أجل حسم هذا النقاش من جذوره.
كما تطرق المتحدث إلى موضوع العقوبات البديلة، معتبرا أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في النصوص القانونية بقدر ما يكمن في طريقة تطبيقها. واستحضر مثال الاعتقال الاحتياطي، الذي ينص القانون على كونه تدبيرا استثنائيا، بينما تحول في الممارسة إلى قاعدة، في مقابل إثارة الشبهات عند الإفراج بدل الاعتقال.
وفي ختام مداخلته، وجه صباري نقدا ذاتيا لهيئة المحامين، محملا إياها جزءا من المسؤولية بسبب العزوف عن الانخراط السياسي وترك المجال لفاعلين غير مؤهلين. ودعا المحامين إلى تجاوز منطق الشكوى داخل الندوات، والانخراط الفعلي داخل المؤسسات المنتخبة والحكومات، معتبرا أن تحمل المسؤولية السياسية يظل شرطا أساسيا للدفاع الحقيقي عن المهنة وعن إصلاح العدالة.
مداخلة صباري أعادت إلى الواجهة نقاشا عميقا حول علاقة الحكومة بالسلطة التشريعية، وحدود الإصلاح القانوني، والتحديات التي تواجه بناء منظومة عدالة ناجعة توازن بين حماية الحقوق وضمان النجاعة القضائية.







