
ياسين مهما
فضيحة كبرى، بل قنبلة حقيقية تندر بكارثة بيئية وعمرانية شبيهة بما عاشته مدينة آسفي، تطفو اليوم على سطح عمالة مراكش، وعلى مرأى ومسمع من الجميع، دون حسيب ولا رقيب.

فعند المدخل المؤدي إلى المقر الإداري لباشوية ومجلس جماعة تسلطانت، من جهة شارع محمد السادس، وعلى الحدود الفاصلة بين نفوذ جماعتي القصبة وتسلطانت، يمتد على مسافة طويلة واد أنجز في إطار برنامج حماية مدينة مراكش من الفيضانات. هذا المجرى المائي الاصطناعي لم يكن عبثا ولا ترفا عمرانيا، بل أحدث ليشكل خندقا وقائيا تستقبل من خلاله مياه واد إسيل وواد البهجة في حالات الفيضان، باعتباره متنفسا مائيا حيويا لتخفيف الظغط المائي في حالة فيضان الأودية أعلاه، وذلك حماية للمدينة من سيناريوهات الغرق.

غير أن المستجد الخطير، يتمثل في تسييج هذا الواد بحائط إسمنتي مرتفع بمترين وممتد على طوله، مع إحداث باب خاص له، وباب آخر يفتح مباشرة من مطعم سياحي مجاور، وكأن الأمر يتعلق بملك خاص لا بمرفق مائي عمومي تابع لملك الدولة، لا يقبل التخصيص ولا الاستغلال الخاص. والأكثر إثارة للريبة هو توصل الجريدة بصور، تظهر تسييج مساحة داخل هذا السور الحائطي، بسياج حديدي بلون أخضر، في شكل يوحي بإعدادها لتحويلها إلى ملعب أو فضاء ترفيهي مغلق، في استخفاف تام بطبيعة المكان ووظيفته الأصلية. فمن رخص للبناء فوق ملك مائي؟، ومن سمح بتسييج واد أحدث أصلا لحماية مدينة بأكملها من خطر الفيضانات؟، وهل يعقل أن يتم التفكير في تسقيف أو خنق هذا الواد دون استحضار العواقب الوخيمة لذلك؟، وهل تم الحصول على موافقة وكالة الحوض المائي المختصة؟، وهل اطلعت السلطات المحلية والجماعية على طبيعة هذه التدخلات فوق ملك مائي مخصص للحماية من الفيضانات؟.

القانون هنا واضح، يعد الملك المائي جزءا من الملك العام للدولة، ويخضع لمقتضيات صارمة يمنع بموجبها البناء أو التغيير أو الاستغلال دون ترخيص قانوني صريح، ووفق مساطر دقيقة تشرف عليها القطاعات المختصة، وعلى رأسها وكالة الحوض المائي والسلطات الإدارية المعنية، كما أن أي تدخل من شأنه تضييق أو تسقيف أو خنق مجرى مائي يعرض أصحابه للمساءلة القانونية، لما قد ينجم عنه من تهديد مباشر للأرواح والممتلكات.
والتاريخ القريب يجيب بوضوح، فما وقع بمدينة آسفي ما زال شاهدا حيا على خطورة العبث بالمجاري المائية، حين اختنق الواد بسبب تراكم الأتربة والأزبال، ولم تجد مياه الأمطار منفذا للمرور، ففاضت واجتاحت المدينة مخلفة خسائر جسيمة. فكيف سيتم ضمان تنقية هذا الواد وصيانته الدورية وقد تم تم تسقيفه وتضييقه؟، وأين ستتجه مياه الأمطار الغزيرة حين تفقد منفذها الطبيعي خاصة وأننا نعيش هذه الأيام على وقع تقلبات جوية مرعبة، تنذر بوقوع فيضانات محتملة؟، وكيف ستتعامل السلطات مع كميات هائلة من المياه في حالة فيضان مفاجئ بعد أن تم تضييق هذا الواد وغاب معه دوره الوقائي الأصلي؟، أم أن أرواح المواطنين وممتلكاتهم أضحت رهينة بمنطق “دبر راسك” والربح العقاري السريع؟، أم أنتا ننتظر تكرار السيناريو نفسه بمراكش حتى تتحرك الجهات المسؤولة؟.
إن هذه المعطيات تفرض على الجهات الوصية، وعلى رأسها والي الجهة، ووكالة الحوض المائي، والنيابة العامة المختصة، التدخل العاجل للتحقيق في مدى قانونية هذه الأشغال، والتأكد من احترامها لمقتضيات القانون، وترتيب الجزاءات اللازمة في حال ثبوت أي خرق أو تجاوز. فالمساس بالملك العمومي المائي ليس مخالفة إدارية عادية، بل مسألة تتعلق بالأمن المائي والوقاية من الكوارث، وأي تهاون في معالجتها قد يحول هذا الخرق القانوني إلى كارثة حقيقية تهدد مدينة مراكش وساكنتها، فاللعب مع الأودية ليس لعبا بالنار فقط، بل لعب بحياة مدينة بأكملها، وحين يتحول مشروع وجد لحماية مراكش من الفيضانات إلى فضاء مغلق تحكمه المصالح الخاصة، فإن الخطر لا يكون افتراضيا، بل مؤجلا فقط.
ويبقى السؤال المفتوح، هل ستتحرك الجهات المعنية قبل أن تعيد الطبيعة تذكير الجميع بقوانينها القاسية؟.
![]()






