ياسين مهما
بعد نشر جريدة مراكش الإخبارية لمقالها الصحفي المعنون ب”هروب معتقل من مقر دائرة أمنية بمراكش.. و”مراكش الإخبارية” تنفرد بنشر تفاصيل الواقعة”، انطلاقا مما يمليه الواجب المهني، ونقلها الخبر كما هو، دون تهويل ولا تجن، تفاعل الرأي العام مع الموضوع، وهو تفاعل طبيعي بالنظر إلى خطورة الواقعة وطبيعتها. غير أن من بين تلك التفاعلات، استوقفنا تعليق منسوب إلى رئيس سابق للمنطقة الأمنية الثانية سيدي يوسف بن علي، خرج عن نطاق الاختلاف المشروع إلى توجيه اتهامات غير دقيقة، تمس جوهر العمل الصحفي وحقه في التعليق، مستعملا فيه مصطلحات لا تليق لا بالمقام ولا بتاريخ صاحب التعليق.
وقد آثرت الجريدة في البداية عدم الرد على تفاصيل هذا التعليق، انطلاقا من قناعة راسخة أن الصحافة ليست ساحة لتصفية الحسابات والردود المباشرة، وأن النقاش العمومي لا ينبغي أن ينحدر إلى سجال شخصي؛ غير أنه ومع ما ورد في التعليق من خلط للمفاهيم، ومساس صريح بالمشروعية القانونية لدور الصحافة، وما رافقه من اتهامات صريحة غير مؤسسة ومصطلحات صادمة، تجاوزت حدود النقد إلى التشكيك في المهنية والنوايا، في محاولة فاشلة من صاحب التعليق لإسكات مبطنة، جعلت الرد واجبا لا خيارا، لتوضيح وتصحيح المفاهيم ووضع الأمور في نصابها الصحيح.
قبل البداية في الرد على تفاصيل التعليق، وأول ما يلاحظه الجمهور، أن هذا التعليق الفيسبوكي كتب على عجل بلغة ركيكة، دون الاستعانة بعلامات الترقيم التي غادرت النص منذ الكلمة الأولى ولم تعد. جملة طويلة بلا فواصل، أفكار متداخلة بلا ترتيب، ومصطلحات قانونية تستعمل بسخاء، لكن دون ضبط أو تدقيق، في خليط لغوي أقرب إلى محضر ارتجالي منه إلى تعليق مسؤول سابق يا حسرة. واللافت أن صاحب التعليق يتهم الجريدة بنقص المعلومات، بينما يعجز تعليقه نفسه عن إيصال فكرة واحدة مكتملة بوضوح، حيث ينتقل من “الجريمة” إلى “التبخيس” إلى “التدخل في الاختصاصات” ثم إلى مقارنة زمنية تعود عشر سنوات إلى الوراء، وانتهاء بالخلط بين الرأي والحكم، وبين التحليل والانطباع، كل ذلك في نفس النفس، وكأن القارئ مطالب بالتقاط المعنى وهو يلهث بين الجمل.
والآن ليتسع صدركم السيد المسؤول الأمني السابق لنجيبك بكل احترام…
أولا، وعن مطالبتنا بذكر الجريمة التي اعتقل من أجل الهارب، كما جاء في تعليقكم: (كان حريا بكم ذكر الجريمة التي تورط فيها المتهم)، يجعلنا نطرح سؤالا جوهريا، ما القيمة أو الجدوى الإخبارية لإقحام طبيعة الفعل الجرمي في خبر موضوعه الأساسي هو الهروب من مقر أمني؟، نحن عالجنا واقعة محددة بحدودها وسياقها، دون تهويل أو تشهير، ودون خلط بين الوقائع. فهل نحن هنا لنناقش ما ارتكبه الشخص الموقوف ليحل ضيفا على الدائرة الأمنية 25 أم كيف خرج وهو مصفد من قلب مقر أمني؟. ونزيدك والله ونقولو فالمقال الصحفي علاش تشد هاد الهارب غادي يضحك علينا العالم، حنت لا يصدق عقل بشري أن شخصا في وضعية الهارب، لايمكن حتى أن يمشي على رجليه بشكل مستقيم بحكم الحالة التي كان عليها، فما بالك يهرب من الكوميسارية (خلينا ساكتين).
ثانيا، فيما يخص توصيفكم للشخص الهارب بالمتهم، فهو توصيف غير سليم قانونيا، فالمستقر عليه فقها وقضاء أن المتهم هو من وجهت له تهمة رسمية من طرف النيابة العامة، وتم تحريك الدعوى العمومية في مواجهته، وأضحى خاضعا لسلطة المحكمة. أما الشخص الموقوف أو المعتقل على ذمة بحث الظابطة القضائية، فإنه يظل مشتبها فيه، ما دامت المتابعة القضائية لم تعلن بعد، وهذا التمييز ليس مسألة لغوية، بل مبدأ قانوني مرتبط بقرينة البراءة التي يكفلها الدستور والقوانين الوطنية والمواثيق الدولية، وهو أمر نعتقد أنكم بحكم تجربتكم الطويلة تدركونه جيدا، ولا يحتاج إلى مزايدة.
ثالثا، عن إدعائكم بتبخيس الجريدة لعمل الشرطة القضائية، وهو الاتهام الأخطر والأكثر تجنيا في تعليقكم الفيسبوكي المذكور، وهو اتهام باطل، وقول مردود عليك نصا وواقعا؛ فالثابت من قراءة المقال أن الجريدة أقرت نصا وروحا بنجاعة تدخل الشرطة القضائية، وأكدت أن توقيف المعني بالأمر تم في ظرف وجيز، وأن الهروب لم يدم طويلا، وكررنا الإشادة بتدخلها في أكثر من موضع، بل واعتبرناه تدخلا مهما وناجعا. فهل أصبح من عجائب هذا الزمان، أن تقول إن الشرطة القضائية تحركت بسرعة، وأن الهروب لم يدم طويلا، وأن المعني بالأمر أعيد إلى قبضة العدالة، ثم تتهم بعدها بمحاولة تبخيس عمل الشرطة القضائية؟. ليبقى السؤال مطروحا، أين هو التبخيس حين نصف التدخل بالناجح والسريع والمهم؟.
رابعا، عن وهم التدخل في الاختصاصات، كما جاء في تعليقكم، أن الجريدة تحاول التدخل في الإجراءات الإدارية والقضائية لأننا طالبنا بعدم إغلاق الملف دون محاسبة، وهو قول خطير في دلالاته وغير مؤسس قانونا، ويعكس فهما ضيقا لدور الصحافة، فالصحافة، وفق الدستور والاجتهادات القضائية، ليست نشرة بلاغات، ولا جهاز صمت، ودورها الأصيل هو الإخبار والتعليق والنقد وطرح الأسئلة، دون أن تحل محل القضاء أو الإدارة، والمطالبة بالمحاسبة ليست إصدارا لحكم، ولا ترتيبا لجزاء، بل تعبير عن موقف عام مشروع، يكفله القانون لكل مواطن، فكيف بمنبر إعلامي؟ .
وهنا نسوق بعض الامثلة لعلك تفهم وتتأكد بأنك شخص لا يتقن سوى خلط الأوراق بين النقد والمساس بالاختصاصات؛ فمثلا حين نطالب بمضاعفة عدد الدراجين بالفرقة المتحركة بالمنطقة الأمنية الثانية، هل يعد ذلك تدخلا في الاختصاص، أم أنها مطالبة مشروعة لسد خصاص أمني بات يلاحظه الجميع؟. وهل الدعوة إلى تغيير عناصر الدائرة الأمنية التاسعة، في ظل ما يثار حول ضعف مردوديتها، ومحدودية نجاعتها، يعد تدخلا في الاختصاص، أم قراءة واقعية لوضع ميداني مختل؟. وهل حين نطالب بإعادة ترتيب البيت الداخلي لفرقة الشرطة القضائية بالمنطقة الأمنية الثانية، يعد ذلك تدخلا في الاختصاص، أم مطلب إصلاحي؟. وهل يصبح الاعتراض على تعيين مسؤول سبق أن أعفي من مهامه بميناء طنجة رئيسا لمنطقة أمنية يعد تدخلا في الاختصاص، أم أنه دفاع مشروع عن المصلحة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة؟.
فهل المطلوب من الصحافة أن تنقل الوقائع مجردة، دون تحليل أو مساءلة؟
ختاما، إن جريدة مراكش الإخبارية، وهي تدرك حساسية المواضيع الأمنية، لم تخرج عن الظوابط المهنية والأخلاقية وحدود القانون، ولم تتدخل في اختصاص أي جهة، بل مارست دورا رقابيا مشروعا، وحقا مكفولا لها دستورا وقانونا، حق التعليق، وحق السؤال، وحق المطالبة بالمحاسبة حين تقع أخطاء جسيمة، أما محاولة تأويل هذا الدور على أنه تبخيس أو تدخل، فهي قراءة لا تصمد أمام ميزان القانون، ولا تنسجم مع متطلبات النقاش العمومي الرصين. ونؤكد أننا نحن في مراكش الإخبارية لا نعادي أحدا، ولسنا خصما لأحد، ولا نبخس مجهودات رجال الأمن، بل نشهد لهم حين ينجحون، ولا نبحث عن بطولات وهمية، لكننا أيضا لن نكتب تحت الإملاء، ولن نمارس الصحافة وفق دفتر تحملات غير معلن، ومن يرى أن دور الصحافة هو الإشادة فقط، وتدوير الزوايا، وتجنب كلمة مساءلة، فليبحث له عن منبر آخر، أما نحن، فسنظل نكتب، ولو أزعج ذلك من يفضلون الأخبار بلا أسئلة.
وكيف كايقولوا المراكشيين العتاق السيد المسؤول الأمني السابق ” كلا وبلاكتو على ظهروا”.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
