
بقلم :حبيل رشيد.
يقول الجاحظ:«الكتاب وعاءٌ ملآن علماً، وبستانٌ يحمل في كل غصنٍ ثمرة، وصديقٌ إن خَلَوْتَ به لم يُوحِشك، وإن حدّثتَه أفصح لك، وإن سكتَّ عنه لم يُعاتبك، تُنفق فيه عمرك فيُربحك، وتودِعُه فكرك فيردّه عليك مضاعفاً.»

حين تُستدعى القراءة إلى مائدة التربية، فإنها تحضر بوصفها فعلاً تأسيسياً، لا نشاطاً عابراً. القراءة تصوغ البنية العميقة للعقل، وتؤثّث الوعي من الداخل، وتمنح الطفل قدرة نادرة على التخيّل، وعلى مساءلة الواقع، وعلى بناء مسافة نقدية بينه وبين ما يُلقَّن. هنا تحديداً يتحوّل الكتاب من مادة ورقية إلى كيان حيّ، يتنفّس في وجدان المتعلّم، ويقوده إلى مناطق أبعد من المألوف.
ومن هذا الأفق تتجلّى قيمة التجربة السردية التي قدّمتها الكاتبة ثورية الهديوي، مؤسسة مدارس اقرأ بمدينة ابن أحمد، من خلال قصتيها “المتهوّر” و**“في عرين الأسد”**. فالعنوانان وحدهما يشيان بنداء داخلي نحو الاقتحام… اقتحام الخوف، واقتحام السؤال، واقتحام الذات قبل كل شيء. الطفل حين يقرأ، فإنما يتدرّب على الشجاعة الرمزية، وعلى اختبار الاحتمالات، وعلى تلمّس حدود القوة والضعف داخل نفسه.
القصة التربوية الرفيعة لا تكتفي بسرد حدث، وإنما تبني منظومة قيم، وتغرس نماذج ذهنية، وتؤسّس لخيال قادر على التمدّد. وهذا ما تنبّه إليه ابن قتيبة حين رأى في الأدب أداةً لتثقيف النفس قبل تزويق العبارة، إذ إن الحكاية حين تُحسن صياغتها، تتحوّل إلى مدرسة خفية، تُعلّم من غير تلقين، وتوجّه من غير أوامر.
إنّ الطفل القارئ في بداياته لا يبحث عن أجوبة نهائية، وإنما يتغذّى على الدهشة. والدهشة هي أول أبواب الحكمة. قصتا “المتهوّر” و“في عرين الأسد” تعملان في هذا الحقل الدقيق، حقل إثارة السؤال، وتحريك السكون الذهني، ودفع القارئ الصغير إلى تخيّل نفسه داخل مجرى الحدث، مشاركاً، متفاعلاً، متأملاً. وهنا تتحقّق الوظيفة العميقة للسرد: بناء ذات فاعلة، قادرة على التخيّل، وقادرة على الفهم.
وقد أصاب أبو حيان التوحيدي كبد المعنى حين قال إن الكلمة الخارجة من القلب تستقر في القلب. فالطفل يلتقط الصدق قبل أن يفهم التقنية، ويشعر بالمعنى قبل أن يفسّره. ومن هذا المنظور، فإن قصص الأطفال تمثّل استثماراً بعيد المدى في الوجدان الجمعي، لأن ما يُزرع في هذه المرحلة يظلّ كامناً، ثم يتفتّح في لحظات الحسم.
وعندما نتأمّل البعد الرمزي لعنوان “في عرين الأسد”، فإننا نقف أمام استعارة تربوية بالغة العمق. العرين هو فضاء الخطر، والأسد رمز القوة والرهبة. دخول هذا الفضاء عبر القراءة تدريب مبكّر على مواجهة الحياة، لا بالسيوف، وإنما بالوعي. أمّا “المتهوّر”، فيحيل إلى تلك الطاقة الطفولية الجامحة، التي تحتاج إلى توجيه حكيم، لا إلى قمع. القراءة هنا تقوم بدور المصفاة، تهذّب الاندفاع، وتمنحه معنى.
القراءة بهذا المعنى فعل استراتيجي في بناء الأمم. ابن خلدون لم يبالغ حين شبّه التعليم في الصغر بالنقش في الحجر. فالطفل الذي يتصالح مع الكتاب في بداياته، يكتسب مناعة معرفية، وقدرة على التحليل، واستعداداً دائماً للتعلّم. وهذه الصفات تشكّل العمود الفقري لأي مشروع حضاري.
والتاريخ يشهد بأن كبار المفكّرين والقادة كانوا أبناء مكتبات قبل أن يكونوا أبناء ساحات. القصة الأولى، الكتاب الأول، الحكاية التي أُعيدت مراراً في الطفولة… كلّها تشكّل ما يمكن تسميته بالخريطة الأولى للعقل. ومن هنا تتجاوز القصة كونها تسلية، لتغدو أداة لتشكيل الرؤية، وتوسيع الأفق، وبناء المعنى.
إنّ تقديم قصص من هذا الطراز لتلاميذ المدارس هو بمثابة تسليمهم مفاتيح رمزية لمواجهة واقع معقّد. فالقصة تدرّب على الفهم، وعلى تأويل الرموز، وعلى إدراك العلاقات بين السبب والنتيجة. وقد عبّر ابن رشد عن هذا العمق حين ربط نمو العقل بتغذّيه بالصور والمعاني، إذ لا ينمو الفكر في الفراغ، وإنما في فضاء غني بالرموز والدلالات.
ومن الحكمة التربوية أن يُفتتح الموسم الدراسي بالكتاب، لأن القراءة تهيّئ الذهن، وتضبط الإيقاع الداخلي للتعلّم. الطفل الذي يبدأ عامه بحكاية ملهمة، يدخل إلى باقي المعارف وهو مشحون بالفضول، ومهيّأ للاستقبال. وهنا تتحقّق المعادلة الصعبة: تعليم ممتع، وتربية عميقة، وبناء طويل النفس.
وقد لخّص المتنبي هذا المعنى في بيته الشهير عن المغامرة في طلب المعالي، فالمغامرة الفكرية هي جوهر القراءة. من يقرأ يغامر بعقله، ومن يغامر بعقله يوسّع حدود إنسانيته. وهكذا تصنع القصة قارئاً، ويصنع القارئ مستقبلاً مختلفاً.
وفي الختام، تبقى القصص الكبرى أبواباً مفتوحة على احتمالات لا تُحصى. جبران خليل جبران رأى في الكتب سلالم نحو عوالم أسمى، وكلّ طفل يصعد سلّماً منها، يقترب خطوة من ذاته الأفضل. والسؤال الذي يظل معلقاً في فضاء التأمل:
أيُّ إنسان سيتشكّل غداً من طفلٍ بدأ رحلته مع الحرف الجريء، ومع الحكاية التي لا تخشى الدخول إلى عرين المعنى؟
![]()







