
بقلم: محمد العكاري
لطالما سُوقت مدينة ابن جرير على أنها “مختبر للمستقبل”، مدينة ذكية تحتضن الذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء، لكن بمجرد الاقتراب من أسوار جماعتها الترابية، نصطدم بواقع “قروسطي” بئيس، حيث تُدار الموارد البشرية بعقلية “الضيعة الانتخابية”، ويتحول ملف “العمال العرضيين” إلى وصمة عار في جبين التدبير المحلي. إن ما يحدث اليوم في كواليس جماعة ابن جرير ليس مجرد سوء تدبير عابر، بل هو “جناية سياسية” مكتملة الأركان؛ فإغراق لوائح التعويضات بأسماء لا وجود لها في الميدان يعد اعتداءً صريحاً على جيوب المواطنين وإهانة لكرامة العمل في حد ذاته، فنحن لا نتحدث هنا عن فرص شغل حقيقية للشباب المعوز، بل عن “شراء صمت” وتسمين “ولاءات” تحت غطاء قانوني هش.
ويكمن مكمن الخطر في أن “العامل العرضي” في تمثُّل بعض المنتخبين لم يعد سواعد تبني المدينة، بل أضحى مجرد “رقم انتخابي” مؤجل الصرف، حيث خلق هذا النوع من “الريع المقنن” جيلاً من الاتكاليين الذين ينتظرون “صدقة” الجماعة نهاية كل شهر مقابل لا شيء، وهو ما يقتل روح المبادرة ويحول المؤسسة المنتخبة من قاطرة للتنمية إلى “صندوق تعويضات لجيوش الأشباح”. وعندما يتحول هذا “الخزان الانتخابي” إلى معيار وحيد للتوظيف، فإننا نغتال بدم بارد مبدأ تكافؤ الفرص، ونرسل رسالة واضحة وبشعة لشباب ابن جرير الحاملين للشواهد، مفادها: “لا تدرس، لا تبتكر، فقط اصطف خلف هذا أو ذاك في الحملة القادمة لـتضمن نصيبك من الميزانية”.
إن هذه “السياسة الترضوية” هي التي جعلت من العمل السياسي في مدينتنا يدور في حلقة مفرغة من المصالح الضيقة، حيث يغيب البرنامج ويحضر “الإحسان المسموم”، مما ينتج ديمقراطية مغشوشة قوامها استغلال الفقر والحاجة لضمان الكراسي. وأمام هذا المشهد القاتم، لا يمكن اعتبار صمت السلطات الوصية عن هذا العبث إلا “تواطؤاً” غير معلن، إذ لا يمكن الاستمرار في صرف ملايين الدراهم على “أوهام” بينما تعاني أحياء كاملة من التهميش؛ فاستنزاف ميزانية التسيير في “أجور الأشباح” هو في حقيقته سرقة موصوفة من حصة ميزانية الاستثمار والخدمات العمومية التي ينتظرها الساكنة.
وعليه، وجب على المسؤولين في هذه المدينة أن يدركوا أن زمن “التدبير بالولاءات” قد ولى، وأن “الذكاء” الذي تفتخر به المدينة لا يستقيم أبداً مع “الريع” الذي ينخر أحشاء جماعتها، فابن جرير لا تحتاج لجيوش من العمال العرضيين الجالسين في المقاهي، بل تحتاج لمشاريع حقيقية وشفافية تعيد للمواطن ثقته المفقودة في مؤسساته. إن ملف العمال العرضيين بجماعة ابن جرير هو اليوم الاختبار الحقيقي لمصداقية الشعارات المرفوعة؛ فإما أن نختار دولة الحق والقانون والمحاسبة، أو نترك المدينة رهينة لمنطق “الخزان الانتخابي” الذي لا يشبع، والكرة الآن في مرمى من يملكون سلطة القرار والتغيير.. فهل من مجيب؟







