
بقلم: عتيقة حبيل
لم يكن الفجر قد اكتمل بعد حين استيقظتُ على صوت أمي وهي تهمس باسمي. كان صوتها خافتًا، لكنه محمّل بدفءٍ أعرفه جيدًا، ذلك الدفء الذي لا يشبهه شيء في هذا العالم. فتحتُ عينيّ ببطء، وكأنني أعود من سفرٍ بعيد، وعدتُ أنظر إلى سقف الغرفة متسائلة: لماذا أشعر اليوم بأنني أكبر من عمري بعشر سنوات؟
في ذلك الصباح، لم أذهب إلى المدرسة بقلبٍ عادي. كنتُ أحمل في داخلي أسئلة أثقل من حقيبتي، وأسكتُ عن أفكارٍ تتزاحم في رأسي بلا استئذان.
في ساحة المدرسة، جلستُ إلى جانب صديقتي “مريم”. كانت تضحك بصوتٍ عالٍ، تتحدث عن حلمها بأن تصبح مشهورة، وأن تسافر، وأن تمتلك كل ما تراه في مواقع التواصل.
قالت لي بحماس: – “تخيّلي يا عتيقة، بعد عشر سنوات سأكون شخصًا معروفًا، لن أترك حلمي مهما حصل.”
نظرتُ إليها طويلًا، ثم قلت بهدوء: – “وهل فكّرتِ يومًا ماذا لو تغيّر الحلم؟ أو تغيّرنا نحن؟”
قطّبت حاجبيها بدهشة: – “لماذا هذا الكلام؟ تبدين اليوم غريبة.”
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة، لم أُجب. كيف أشرح لها أنني بدأت أرى الأشياء من زاوية أخرى؟ أنني لم أعد أؤمن بأن كل ما نريده يستحق أن نُفني أرواحنا من أجله؟
دخلنا القسم، وكانت أستاذة اللغة العربية تتحدث عن نصٍّ أدبيٍّ حول فناء الدنيا. فجأة، شعرتُ أن الكلمات تُخاطبني أنا، لا التلاميذ جميعًا. كانت تقول: – “الدنيا لا تعطي أحدًا ضمانًا، لكنها تمنحنا فرصة الفهم.”
رفعتُ يدي دون وعي: – “أستاذة، هل يعني هذا أن التعلّق خطأ؟”
نظرت إليّ بابتسامة حكيمة: – “التعلّق الزائد هو الخطأ، يا ابنتي. أمّا الحبّ المتوازن، فهو وعي.”
في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن بابًا فُتح في داخلي.
بعد المدرسة، عدتُ إلى البيت فوجدتُ أبي جالسًا في الصالة، ينظر إلى أوراقٍ كثيرة أمامه. كان يبدو متعبًا، أكبر من عمره بقليل.
قلتُ له: – “أبي، هل أنت بخير؟”
تنهد وقال: – “نحن بخير ما دام الله معنا.”
جلستُ قربه وسألته: – “هل ندمْتَ يومًا على شيء؟”
ابتسم بحزن: – “ندمتُ فقط على الأشياء التي أعطيتها أكثر مما تستحق.”
كانت تلك الجملة كفيلة بأن تُكمِل ما بدأته الأسئلة في رأسي.
في المساء، جلستُ وحدي في غرفتي. أطفأتُ الهاتف، وفتحتُ نافذتي. كان الليل ساكنًا، والنجوم تلمع كأنها شهودٌ صامتون على أفكار البشر. هناك، تذكّرتُ كل ما تعلّمته هذا العام.
تعلّمتُ أن كل شيء قابل للاستبدال والتعويض، مهما بدا مهمًّا…
إلا علاقتي بربي، ثم بنفسي، ثم بأسرتي.
لم أعد أتشبث بالأشخاص كما كنتُ أفعل. بعضهم رحل دون وداع، وبعضهم تغيّر حتى لم أعد أعرفه. في البداية، آلمني ذلك، ثم فهمت: ليس كل من يمرّ بنا كُتب له البقاء.
في اليوم التالي، التقيتُ “سارة”، صديقة قديمة تغيّرت كثيرًا. قالت لي بنبرة جافة: – “لم تعودي كما كنتِ… أصبحتِ باردة.”
أجبتُها بهدوء: – “لم أعد باردة، فقط صرتُ أدفأ مع الأشياء التي تستحق.”
سكتت، ثم غادرت دون كلمة.
لم أحزن.
فأنا هنا في دارٍ فانية.
لا وقت للمثالية،
لا وقت للتعلّق،
لا وقت للأحلام الكاذبة،
ولا للأقنعة.
في أحد الأيام، سألتني أمي وأنا أساعدها في المطبخ: – “لماذا كبرتِ فجأة؟”
ابتسمتُ وقلت: – “لأنني تعلّمتُ أن الحياة ليست سباقًا للفوز، بل رحلة للفهم.”
في تلك اللحظة، أدركتُ أن النضج ليس في العمر، بل في الوعي. وأن الحكمة قد تزور قلبًا صغيرًا، إذا كان صادقًا بما يكفي ليستمع.
هنا الدنيا…
حيث الأحلام منقوصة،
وحيث كل شيء مؤقت،
وحيث الفناء حتمي.
لكن وسط هذا الفناء، تعلّمتُ كيف أبقى…
بقلبي متصلًا بالله،
وبنفسي متصالحة مع ذاتها،
وبأسرتي جذرًا لا تقتلعُه الرياح.
وهذا، وحده، يكفيني.






