
أعادت المذكرة التقديمية لمشروع قانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة وبالاحتلال المؤقت، فتح نقاش قانوني ومجتمعي واسع حول حدود تدخل الدولة في الملكية الخاصة، والضمانات الكفيلة بحماية حقوق المواطنين في ظل متطلبات التنمية والمشاريع الكبرى.
ويأتي هذا المشروع في سياق مراجعة شاملة للإطار القانوني المؤطر لنزع الملكية، الذي يعود إلى عقود مضت، حيث أصبح غير قادر على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية التي يعرفها المغرب، خصوصًا في ظل تسارع إنجاز البنيات التحتية الكبرى وتوسع المجال الحضري.
نزع الملكية… ضرورة تنموية أم مساس بالحقوق؟
تؤكد المذكرة أن نزع الملكية يعد من الآليات القانونية الاستثنائية التي تلجأ إليها الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية لإنجاز مشاريع ذات منفعة عامة، غير أن هذا الإجراء، رغم مشروعيته الدستورية، يظل مقيدًا بجملة من الضمانات القانونية الصارمة، على رأسها التعويض العادل والمنصف.
وتبرز الوثيقة أن النص الحالي كشف عن عدد من الإكراهات العملية، من بينها طول المساطر، وغموض بعض المفاهيم المرتبطة بتحديد المنفعة العامة، إضافة إلى تباين الاجتهادات القضائية بخصوص التعويض وتقدير قيمة العقارات المنزوعة.
إعادة ضبط المساطر وتسريع الإجراءات
من بين أهم مستجدات مشروع القانون، العمل على تبسيط مسطرة نزع الملكية وتحديد آجال دقيقة لمختلف مراحلها، سواء تعلق الأمر بإعلان المنفعة العامة، أو إيداع الملفات، أو البت القضائي في التعويضات. كما ينص المشروع على تقليص مدة صلاحية مقرر إعلان المنفعة العامة، وعدم تمديده إلا بشروط مضبوطة، تفاديًا لاستمرار حالة “التجميد” التي تلحق أضرارًا مباشرة بالمالكين.
كما شدد المشروع على ضرورة احترام مساطر النشر والإشهار، سواء عبر الجريدة الرسمية أو الوسائل الإلكترونية، ضمانًا لحق المعنيين في الاطلاع والطعن داخل الآجال القانونية.
تعويضات أوضح ومعايير أكثر إنصافًا
في جانب التعويض، حرص المشروع على توحيد المعايير المعتمدة لتحديد القيمة الحقيقية للعقار أو الحق العيني المنزوع، مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة العقار وموقعه واستعماله الفعلي، مع التنصيص على إيداع التعويضات لدى الجهات المختصة في حالة وجود نزاع أو رفض التسلم.
كما يمنع المشروع أي شروع في الأشغال قبل استكمال المساطر القانونية وإيداع التعويضات، باستثناء حالات الضرورة القصوى، وهو ما اعتبرته المذكرة تكريسًا لمبدأ حماية الملكية الخاصة وضمان الأمن القانوني.
تنظيم أدق للاحتلال المؤقت
خصص المشروع حيزًا مهمًا لتنظيم مسطرة الاحتلال المؤقت، التي كانت تشكل مصدر نزاع دائم بين الإدارة والمواطنين، حيث تم تحديد شروطها ومددها بدقة، والتنصيص على تعويضات خاصة بها، ومنع تحويلها إلى وسيلة التفاف غير معلنة على مسطرة نزع الملكية.
كما أقر المشروع مسؤولية الإدارة عن أي أضرار تلحق بالعقار أو بالمالك نتيجة الاحتلال المؤقت، مع إلزامها بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه بعد انتهاء المدة المحددة.
بين رهانات التنمية وضمان الحقوق
ترى الحكومة، من خلال هذه المذكرة، أن مشروع القانون يشكل خطوة أساسية نحو تحقيق التوازن بين متطلبات المصلحة العامة وحقوق الأفراد، عبر تحديث الإطار التشريعي وضمان انسجامه مع الدستور والاجتهاد القضائي، وكذا الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
غير أن متتبعين للشأن القانوني يعتبرون أن نجاح هذا النص رهين بمدى حسن تنزيله على أرض الواقع، واحترام الإدارة لروح القانون قبل حرفه، حتى لا يتحول نزع الملكية من أداة للتنمية إلى مصدر توتر اجتماعي ونزاعات قضائية متواصلة.






