ثورية هديوي… حين تتحوّل القراءة إلى قدرٍ تربويٍّ وتصير المرأة معمارَ الوعي المغربي.
بقلم:رشيد حبيل
في الثامن من مارس من كل عام، يتأنّى العالم قليلاً… كأنّه يستعيد أنفاسه بعد سباق طويل مع الزمن، ويقف أمام سجلٍّ إنساني حافلٍ بأسماء نساء عبرن التاريخ وهنّ يحملن مشاعل الصبر والإصرار والوعي. هذا اليوم الذي كرّسته الأمم المتحدة موعداً أممياً للاعتراف بجهود المرأة ومكانتها، جاء تتويجاً لمسارات نضالية ممتدة منذ بدايات القرن العشرين، حين ارتفع صوت النساء في ساحات العمل والمعرفة مطالبات بالإنصاف والكرامة والاعتراف. ومن ثمّ تحوّل الثامن من مارس إلى رمز عالمي تتقاطع فيه الذاكرة بالتطلّع، والاعتراف بالمسؤولية، والاحتفاء بالفعل المؤسس.
لا شك أن اليوم العالمي للمرأة يتجاوز حدود المناسبة الخطابية، إذ إنّه لحظة مساءلة أخلاقية للمجتمعات، ومؤشر يقيس درجة التوازن في بنيتها القيمية. ومن المؤكد أن تمكين المرأة ليس ملفاً قطاعياً ضيقاً، وإنما ركيزة في مشروع النهضة الشاملة، لأن المرأة طاقة بناء، ومصدر تماسك، وعقل مدبّر، ووجدان حيّ… هي المدرسة الأولى، واللغة الأولى، والملاذ الأول، وهي أيضاً العقل المفكّر حين تكتب، واليد الصانعة حين تعمل، والصوت الهادئ حين يعلو في لحظات التحوّل.
في هذا الأفق الرمزي، يبرز اسم الكاتبة والأستاذة ثورية هديوي، بوصفها نموذجاً لامرأةٍ صاغت مسارها على مهلٍ وثبات، وجعلت من المعرفة جسراً، ومن القراءة رسالة، ومن التعليم مشروعاً يتجاوز حدود المقرر والسبورة. تنحدر من أصلٍ مزابيٍّ عريق، من منطقة أمزاب التي عُرفت بصلابة أهلها، واعتدادهم بهويتهم، وحرصهم على العلم والعمل والانضباط. وهي ابنة الحاج بوعزة هديوي… ذاك الرجل الوقور، الصنديد، الجسور، الصابر، الثابت، العفيف، النبيل، الحصيف، صاحب المروءة والنجدة، رفيع الخلق، مستقيم السيرة، راسخ المبادئ… رجل المواقف لا المزايدات، رجل العهد إذا قال وفى، وإذا وعد أنجز، وإذا حضر بثّ في المكان هيبةً وطمأنينةً ووقاراً.
كان والدها مناضلاً ومقاوماً… من أولئك الذين حملوا الوطن في صدورهم كما يُحمل الضوء في الفجر، ودافعوا عن الأرض والكرامة بثباتٍ لا يتزعزع. رجل شهامةٍ وأصالة… رجل فروسيةٍ أخلاقيةٍ لا تُرى في الأوسمة، وإنما تُقرأ في السلوك… رجل عزمٍ وإقدام، حكمةٍ ورصانة، عزّة نفسٍ ونقاء سريرة… ظلّه الممتدّ في حياتها كان مدرسةً غير مكتوبة، ومناهج غير مدونة، ودروساً في الصبر والالتزام والوفاء للمبادئ.
في كنف تلك القيم تشكّلت شخصية ثورية هديوي… فكان التعليم لديها رسالةً تتجاوز الوظيفة، وكانت الكلمة أمانةً تتخطّى حدود التعبير. داخل الفصل الدراسي، لا تكتفي بشرح الدرس، وإنما تزرع فكرة… تفتح أفقاً… تثير سؤالاً… تؤمن أن التلميذ مشروع إنسان كامل يحتاج إلى من يوقظ طاقته الكامنة، ويمنحه الثقة، ويعلمه كيف يفكر قبل أن يحفظ، وكيف يناقش قبل أن يسلّم.
ارتبط اسمها بالقراءة حتى لُقّبت بسفيرة القراءة… وهو لقب يعكس مساراً عملياً لا شعاراً عابراً. جعلت من الكتاب رفيقاً دائماً، ومن المكتبة المدرسية فضاءً نابضاً بالحياة، ومن حصص المطالعة مختبراً لبناء الوعي. كانت ترى، دون ريب، أن الطفل الذي يعانق الكتاب مبكراً يكتسب مناعة فكرية تحميه من الانقياد، وتمنحه قدرة على التمييز والاختيار. لذلك دفعت في اتجاه تحويل الفصول إلى ورشات حوار، وإلى مساحات تفكير حيّ، حيث تتقاطع الآراء في مناخ من الاحترام والتأمل.
غير أن حضورها لم يتوقف عند أسوار المدرسة… بل امتد إلى مجال التأطير الأسري والتربوي، حيث انخرطت في دعم الأسر وتقديم رؤى عملية لبناء شخصية الطفل وتعزيز ثقته بنفسه. خطابها في هذا المجال متوازن، واقعي، عميق… يستند إلى تجربة ميدانية، ويستحضر الخصوصية الثقافية والاجتماعية، ويؤكد أن الإصلاح يبدأ من الأسرة باعتبارها النواة الأولى في تشكيل الوجدان.
أما في الكتابة، فإن ثورية هديوي تختار عباراتها بعنايةٍ وتأمّل… تنسج جملها بخيطٍ من وعيٍ وهدوء… تستحضر القيم في سياقٍ معاصر، وتطرح الأسئلة بلغةٍ رصينةٍ لا صخب فيها ولا ادعاء. نصوصها تتسم بكثافة دلالية، وبحضور مرادفات تغني المعنى وتعمّقه، وبصورٍ بيانيةٍ هادئةٍ تمنح القارئ مساحة للتفكير… فهي تؤمن أن الكلمة مسؤولية، وأن الكتابة فعل تأثير، وأن القلم إذا افتقد الضمير فقد جوهره.
في شخصيتها يتجاور التواضع مع الثقة… والهدوء مع الحزم… والانتماء مع الانفتاح… فهي ابنة بيئةٍ عريقة، وسليلة رجلٍ جسورٍ مهيبٍ كريمٍ أبيٍّ وفيٍّ صلبٍ مقدام… رجلٍ عرفته الساحات ثابتاً كالجبل، هادئاً كالنهر، صريحاً كالشمس، نزيهاً كالندى… رجلٍ كانت الشهامة عنده خُلقاً يومياً لا موقفاً استثنائياً، وكانت الوطنية عنده التزاماً لا شعاراً.
إن استحضار تجربة ثورية هديوي في سياق الثامن من مارس هو، في جوهره، استحضار لفكرة المرأة التي تصنع الفرق بصمتٍ ووعيٍ واستمرارية. فالمرأة حين تُمنح المساحة، وتُصان كرامتها، ويُستثمر في قدراتها، تتحول إلى رافعة تنموية حقيقية… إلى قوة اقتراح… إلى عقل مدبّر… إلى وجدان يضخ في المجتمع معاني الاتزان والرحمة والصلابة في آن.
في هذا اليوم الرمزي، لا يكفي أن نرفع الشعارات أو نوزّع كلمات الثناء… وإنما المطلوب تثبيت المكتسبات، وتوسيع دوائر المشاركة، وتمكين النساء من فضاءات القرار والإبداع. وتجربة ثورية هديوي تؤكد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من القسم… من الكتاب… من الأسرة… من الكلمة الصادقة التي تُقال في وقتها المناسب.
الثامن من مارس إذن ليس تاريخاً عابراً في الروزنامة… إنه موعد مع الضمير… مع الذاكرة… مع المستقبل. وحين نتأمل سيرة امرأةٍ نشأت في بيت رجلٍ وقورٍ شامخٍ أصيلٍ شجاعٍ نزيهٍ عفيفٍ مروءٍ مقدام… ثم اختارت أن تجعل من التعليم رسالة، ومن القراءة جسراً، ومن الكتابة مسؤولية… ندرك أن الأمل ما زال ممكناً، وأن مشروع الوعي قابل للاستمرار، وأن المرأة، حين تتسلح بالعلم والقيم، تكتب سيرة أمةٍ بأكملها… سيرة تمتد… وتضيء… وتبقى.
ولا ننسى، ونحن نستحضر تجربة ثورية هديوي، نساءً شققن الطريق في ظروف أشد وعورة، وفتحن الأبواب في أزمنة كان الباب فيها موصداً بإحكام. نساءً حملن قناديلهن في عتمات الاستعمار، ووقفن في وجه الإقصاء الاجتماعي، وواجهن أعرافاً جامدة بعقول يقظة وقلوب صلبة. في الذاكرة المغربية والعربية أسماء صنعت التحول بصبر طويل، فكانت كل واحدة منهنّ مدرسة قائمة بذاتها، ومشروعاً إصلاحياً يمشي على قدمين.
حين نتأمل مسار مليكة الفاسي، ندرك كيف يمكن للكلمة أن تتحول إلى موقف سياسي، وكيف يصبح القلم أداة مقاومة. كانت من أوائل النساء اللواتي وقّعن وثيقة المطالبة بالاستقلال، فدخلت التاريخ من باب الجرأة الفكرية والالتزام الوطني. وكذلك الأمر مع فاطمة المرنيسي التي قاربت قضايا المرأة بعين الباحثة الدقيقة، ففككت البنى الثقافية السائدة، وفتحت نقاشاً عميقاً حول العلاقة بين النص والتأويل، وبين التراث والحداثة. وفي أفق أوسع، يبرز اسم هدى شعراوي التي كسرت الحواجز الاجتماعية في مصر، وجعلت من الفضاء العام ساحة حضور نسائي معلن، مؤسس، وواثق.
هذه النماذج لم تكن مجرد محطات معزولة في سجل التاريخ، وإنما حلقات في سلسلة وعي متصلة. كل واحدة منهنّ اشتغلت في سياقها، وبأدواتها، وضمن شروط زمانها، غير أن القاسم المشترك ظل واحداً… الإيمان بأن التغيير يبدأ من الفكرة، وأن الفكرة إذا تكرست في الوعي الجمعي تتحول إلى قوة اجتماعية فاعلة.
في هذا السياق المقارن، تتبدى خصوصية ثورية هديوي. فهي تنتمي إلى جيل يتحرك داخل مؤسسات قائمة، ويشتغل في فضاءات مفتوحة نسبياً، غير أن التحدي الذي تواجهه يختلف في طبيعته. لم تعد المعركة مع حرمان قانوني مباشر، وإنما مع أشكال أكثر تعقيداً من التهميش الثقافي، ومع موجات تسطيح معرفي تجتاح العقول عبر وسائط رقمية سريعة الإيقاع. لذلك فإن رسالتها تنصبّ على تحصين الوعي من الداخل، وعلى إعادة الاعتبار للفعل القرائي في زمن الصورة الخاطفة والمعلومة المبتورة.
إذا كانت الرائدات الأوائل قد ناضلن لفتح باب المدرسة أمام الفتاة، فإن ثورية هديوي تناضل اليوم كي يبقى للمدرسة معناها، وكي يظل الكتاب حاضراً في حياة التلميذ. وإذا كانت معارك الأمس قد تمحورت حول الحق في التعلم، فإن معركة الحاضر تتمحور حول جودة التعلم وعمقه واتساع أفقه. هنا تتجلى المفارقة التاريخية… وتبرز أهمية الأدوار الجديدة التي تضطلع بها المرأة المعلمة والمثقفة.
ولا يمكن إغفال أن النضال النسائي لم يكن دائماً في الواجهة الصاخبة. كثير من النساء قدّمن إسهاماتهن في صمت، داخل البيوت، وفي الحقول، وفي المشاغل، وفي زوايا التعليم الأولي. أمهات ربين أجيالاً على الصبر والصدق والعمل الدؤوب، ومعلمات اشتغلن في قرى نائية بموارد محدودة، وطبيبات عالجن في ظروف صعبة، وناشطات اجتماعيات حملن همّ الفئات الهشة دون ضجيج إعلامي. هذا النسيج المتعدد من العطاء هو الذي صنع التحول الحقيقي، وهو الذي ينبغي أن يُستحضر حين نتحدث عن الثامن من مارس.
في المقارنة بين الأمس واليوم، يتضح أن التحديات تبدلت ملامحها. في السابق كان الصراع واضح الحدود، أما اليوم فالمعركة أكثر التباساً… معركة وعي، معركة قيم، معركة معنى. من هنا تبرز أهمية الكتابة التحليلية التي تمارسها ثورية هديوي، لأنها تسعى إلى تفكيك الظواهر بدل الاكتفاء بوصفها، وإلى اقتراح مسارات عملية بدل الاكتفاء بالتشخيص. خطابها لا يستند إلى انفعال عابر، وإنما إلى رؤية تراكمت عبر تجربة ميدانية طويلة.
إن استحضار نماذج تاريخية إلى جانب تجربة معاصرة يتيح قراءة متكاملة لمسار المرأة في مجتمعاتنا. فالرائدات وضعن الأساس، ونساء اليوم يواصلن البناء فوق ذلك الأساس، كلٌّ وفق شروط زمنه وأدواته. وبين التأسيس والاستمرار تتشكل حركة اجتماعية عميقة، لا تُختزل في شعارات، ولا تُقاس بلحظة احتفالية واحدة.
ولأن المقارنة تفتح أفق الاستشراف، يمكن القول إن المستقبل سيحتاج إلى نساء يجمعن بين المعرفة الرقمية والعمق الإنساني، بين المهارة التقنية والبوصلة الأخلاقية. العالم يتغير بوتيرة متسارعة، غير أن الحاجة إلى القيم الثابتة تزداد إلحاحاً. في هذا المشهد المتحرك، يصبح دور المرأة المثقفة محورياً، لأنها القادرة على الربط بين الأجيال، وعلى نقل الخبرة من سياق إلى آخر، وعلى ترسيخ توازن دقيق بين الانفتاح والحفاظ على الهوية.
هكذا يتكامل المشهد دون تكرار… نساء الأمس فتحن الطريق، ونساء اليوم يوسعن المدار، ونساء الغد سيحملن المشعل إلى آفاق جديدة. والثامن من مارس يظل مناسبة لتجديد العهد مع هذا المسار الممتد، وللتأكيد على أن الاعتراف لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بدعم حقيقي، وبسياسات عادلة، وبفرص متكافئة. وبين الرمز والتجربة، بين التاريخ والراهن، تتجسد صورة المرأة باعتبارها شريكاً كاملاً في صناعة التحول، وفاعلاً أساسياً في كتابة فصل جديد من فصول الوعي الإنساني.

