مراكش التي كانت..حين تنبعث المدن من رماد كتابها

* صورة أبو العتاهية

 

الكاتب روح المدينة وبوحها، وترنيمة حبها الخالدة التي تزعج الذئاب الملتفة حولها، القلق الوحيد من اليباب والسراب،  الغارق بين سطوره في هذيانه وشطحاته وهو يتمتم بحماقات العمران والحضارة والثقافة التراث والمكان والزمان، المخبول بالحياة والجمال والمدينة، القوام على أعلامها وأحلامها، الطواف حول متونها وأشعارها حتى يسقط مغشيا عليه من الوجد والمعرفة، ولا يستفيق إلا ليحترق حبا في المدينة، ويبقى رماده المقدس يخبو إلى أن تنفخ فيه الريح المنبثة  من أشواقه، لتحيل الرماد إلى حروف مكلومة، ثم تنبعث المدن من رماد كتابها.

لم تبخل مراكش عن كتابها حين سقتهم الثقافة والحضارة ودفئ  حاضرها ورخاء ماضيها، وبثتهم أسرارها تترى بين دروبها وأسواقها وأسوارها وعرصاتها وبديع عمرانها، ووصلتهم بنظرائهم ممن رحلوا عبر الزمان وقد خلف بعيدهم وقريبهم عربيهم وعجميهم صيد الخاطر في الدفاتر عن بهجة المغرب.

من لمراكش  اليوم غير كتابها يمسحون عن عمرانها أوراق الخراب الصفراء المتآكلة، من غيرهم يغسلها من حبر الدمع،  من غيرهم يعيد لنا مدينتنا المختطفة، ويستحضر حاضرتنا المتبددة مراكش التي كانت..

كتاب “مراكش التي كانت” فرحة ومأساة موت وحياة، هو انتصار لأدباء المدينة على خراب عمرانها، هو شهادة جماعية عن حجم جرحها، ونفخة في ما بقي من روحها، يقول معد الكتاب ومنسقه الشاعر والأديب ياسين عدنان “نحن مجرد أدباء بالنهاية. لا قدرة لنا على التدخل الحازم والحاسم لحماية هذه الصفحة أو تلك من المحو، أو لإيقاف هذا المتعسف أو ذاك ومنعه من ارتجال تطريسه الشنيع في هذا الموضع أو ذاك من المدينة الطرس”.

حين تفتح دفتي الكتاب يلخص لك التقديم الحكاية فهو عن “ترميم الميدنة، عن تطريس الكتاب” ويرحب بك منسقه قائلا: مرحبا بك أيها القارئ في مراكش.افتح نسختك من الكتاب وتجول بين معالم المدينة التي لم يعد بإمكانك زيارتها على أرض الواقع.

بعد التقديم تجد في انتظارك في  المحطة الأولى في جولتك المعجمي الأديب عبد الغني أبو العزم  يحدثك عن مقهى المصرف الشهير، ثم تتوالى بك المحطات رفقة أدباء مراكش عبر مقاهيها الأدبية التي ذهبت وقد أخذت معها شيئا من روادها، وتتحسر مع الكتاب على مكتبات محتها المسوخ، وقاعات سينما ابتلعها الظلام، وأحواض وسواقي وخطارات جف معينها، وجنائن وعرصات الحمراء التي انمحت أغلبها إلا من وجدان من عرفوها، ولا بد أن يعرج بك أدباء تربة الأولياء على بعض من زواياها وأنوارها، وعلى بعض من حوماتها التي غاب بريقها مع تغييب حسن المدينة وروحها. لتخلص في آخر الكتاب إلى ما خطه منسقه في أوله حين قال “ستكتشف دون شك أن الأدباء من أقدر الناس على ترميم المدن وحفظها”

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *