د. محمد البندوري يخوض في نقد المبهمات بين الخط والحروفية والتشكيل

د. محمد البندوري يخوض في نقد المبهمات بين الخط والحروفية والتشكيل

في الندوة العلمية التي نظمها ليلة أمس كل من المجمع الدّولي للآداب والفنون البصرية بباريس ( AULAV  créations) والمنظمة الدولية للثقافة والتّنمية وحوار الحضارات. تناول الدكتور محمد البندوري الفرق بين الخط والحروفية والتشكيل، من خلال بعض الخاصيات التي يتميز بها كل صنف، والخاصيات المشتركة: على مستوى أشكال الحروف، وعلى مستوى التركيب. وهذه الخاصيات تسهم في إنتاج مختلف الجماليات منذ النقوش القديمة. نقش النمارة مثلا، وهو تركيب عربي خاص، تتوافر فيه جماليات نوعية بالرغم من كونه يضرب في أعماق التاريخ ويواجه عاديات الزمن.

من هذا المنطلق، قال البندوري: إن الإلمام بالمادة الخطية أو ببعض أركانها يقود إلى استقاء نظريات أو إعطاء مفهوم قصد الخروج من وضعية خطية إلى أخرى او بعبارة أدق رسم معالم التفوق وضبط مسار التطور والإبداع. والإبداع طبعا هو الإتيان بالجديد، التمرد على الجاهز، الخروج عن المألوف، الانزياح عن المعتاد، تقديم صيغة أو صيغ جديدة. وهنا رصد اجتهاد بعض النقاد القدامي من بينهم: أبو حيان التوحيدي حين حدث عنده إلمام بمقاييس الحروف ووضعياتها، فاستقى منها نظريته الجمالية. حيث تبدت مؤهلاته جلية في خط النسخ فكان يقوّم كل ما يخرج عن الضبط. باعتباره أحد المفكرين الذين صرفوا عنايتهم للبعد الجمالي للخط من خلال عدم تقبله لتردي عملية الكتابة من وجهة نظره وكيفية رؤيته للجمال من جهة، ومن خلال نظرته الفنية للخط العربي من جهة أخرى. فصرف عنايته للبصر والذوق وللبعد الجمالي، فوضع شروطا للخط الجميل المجود، يقول:” والكاتب يحتاج إلى سبعة معان: الخط المجرد بالتحقيق، والمحلى بالتحذيق، والمجمل بالتحويق، والمزين بالتخريق، والمحسن بالتشقيق، والمجاد بالتدقيق، والمميز بالتفريق. والمراد بالتحقيق إبانة الحروفِ كُلِها منثورها ومنظومها مفصولها وموصولها بمداتها وقصراتها وتفريجاتها وتعويجاتها، والمراد بالتحذيق إقامة الحاء والخاء والجيم وما أشبهها على تبييض أوساطها، والمراد بالتحويق إدارة الواوات والفاءات والقافات وما أشبهها مصدرة ومتوسطة ومذنبة بما يكسبها حلاوة ويزيدها طلاوة، والمراد بالتخريق تفتيح وجوه الهاء والعين والغين وما أشبهها، والمراد بالتشقيق، تكنف الصاد والضاد والكاف والطاء وما أشبه ذلك، والمراد بالتدقيق تحديد أذناب الحروف بإرسال اليد واعتماد سن القلم، والمراد بالتفريق حفظ الحروف من مزاحمة بعضها لبعض، وملابسة أول منها لآخر.

يضيف البندوري فهذه المعاني السبعة محددة جدا ودقيقة للغاية، وترسم طريقا صريحا لجمالية الخط حسب أبي حيان، وفي المقابل نجد عددا من النقاد الذين اجتهدوا ولولا اجتهادهم لما بلغ الخط مبلغه من الرقي والتطور.

وشدد البندوري على ألا يجب أن نبقى حبيسي نمط محدد من طرف شخص محدد، جميل أن نقتدي وأن نتعرف على ما بلغه من الاجتهاد، ولكن لا يجب أن نحبس أنفسنا ونبقى مقلدين. وقال إن كلامه واضح في هذا المعنى: فهناك بعض الخطاطين لا يسألون أو يتساءلون: كيف وصل ذلك الخطاط القدوة إلى ذاك المستوى؟ إنه الاجتهاد يا سيدي، وصياغة معاني جديدة يا مولاي. إذن عليك أن تجتهد ( ووضح أنه يتحدث فيما يتعلق بالخط العربي الكلاسيكي) من خلال ما وصل إليه ابن مقلة أو ابن البواب أو المستعصمي أو شوقي أو البغدادي أو غيرهم ممن اجتهدوا فأصابوا.  المهم كل أولئك بلغوا مبلغهم من الدقة والجمال والتقييس الدقيق وتثبيت الشكل المناسب في رسم الحرف باجتهادهم وإبداعهم، ولم يصلوا بالتقليد الأعمى، ولم يبقوا حبيسه ومنغمسين فيه.

ومن جهة أخرى خاض محمد البندوري في  مسألة التحرر من رقبة التقليد والرغبة في إطلاق سراح الحرف من كل القيود باعتبار أن التحرر هو الذي يعطي منجزات حروفية مختلفة، منها ما ارتبط بخلفيات تشكيلية مع الحفاظ على القواعد، وهذا في حد ذاته ظل في حيز من الركود. لأن الاجتهاد ارتبط بالخلفيات وبنوع قليل من التغيير في الشكل العام للوحة. بينما انطلق عدد من الخطاطين المجددين في الحرف والشكل فجددوا في الحروفية على أوسع نطاق ومزجوا بين التشكيل والحروف في حرية مطلقة أعطت للحرف رمزية داخل النسق التشكيلي.

وهنا عرج الدكتور البندوري على نقد المبهمات مشيرا إلى أن اعتقاد البعض بأن الفارقيات بين الخط والحروفية والتشكيل هي حلقات مفرغة وتضر بالخط العربي، بينما واقع الحال غير ذلك، فالحروفية هي كيان عربي يعطي للتشكيل العربي هويته في المنظومة التشكيلية العالمية. والحروفية في التشكيل العالمي هي فن تشكيلي  بهوية عربية إسلامية يختص بها العالم العربي الإسلامي. فالحلقة التي يحسبها البعض مفرغة هي ذات إيجابيات كبيرة في التشكيل العالمي. والحروفية لها مقوماتها الخطية والتشكيلية. فهي تجمع بين الحسنيين، وتقدم منجزا فنيا عربيا متطورا ومتفردا. إنه في الواقع اشتغال رؤيوي يروم الخط العربي من ألفه إلى يائه بكل تفاصيله. ويشكل مساحة مركزية في الإقرار بأحقية التطور التدريجي دون قطيعة ثقافية أو فنية. فقط يجب الإحاطة بأساليب الخط العربي عبر التاريخ منذ نقش النمارة الذي ذكره في بداية المداخلة، لأن هذا النقش يعطي للقارئ صورة واضحة. إذن يجب الإحاطة بأساليب الخط العربي عبر التاريخ للتمكن من إجراء المقارنة والمقاربة بين الشكل الخطي القديم وبين الأشكال الخطية الكلاسيكية وبين الأشكال الخطية المعاصرة عبر مختلف المحطات التطورية. ولأن العلاقة بين النص الخـطي القديم والنص الخطي المعاصر علاقة عضوية؛ فإن الحلقات البؤرة تتجلى في صيغ خطية متعددة، وفي أنواع خطية متنوعة، ما يجعلنا نلمس جماليات هذا الخط من خلال الشكل، سواء على مستوى رسم الحرف أو على مستوى الشكل المدمج في التشكيل، ما يُنتج لنا فهما عميقا بهذا الخصوص.

ولعل الذين يتناولون جماليات الخط العربي والحروفية والتشكيل ويخوضون هذه التجربة نظريا وممارسة يرون بأن الجماليات المبهجة التي تتأرجح بين الخط والحروفية والتشكيل تبني بلاغة خطية عربية صرفة بتنوع في الصيغ والأساليب. وقال البندوري بأنه لا ينكر بأن الفترة المعاصرة قد أنتجت أساليب حروفية عربية جديدة مغايرة للمألوف تتخذ من الحروف العربية بعدا جماليا، ومن الشكل الجديد بعدا بلاغيا. وبين تين الخلتين تتبدى الحلقات الرابطة بين الخط والحروفية والتشكيل حمالة لأوجه من الدلالات والتي ظلت مبهمة في النقد العربي، وهي تبرز أهمية التطور التدريجي الذي انتقل من الخط إلى الحروفية ومن التشكيل إلى الحروفية، وهو ما أعطانا حروفيتان إحداهما تستند على خلفية تشكيلية وتحافظ على قواعد الخط، والثانية متمردة على قواعد الخط وتنصهر في التشكيل كليا. وهي ليست مفارقة بين الاتجاهين، علما أن كل اتجاه له أساليب متنوعة، ولكنها خطوات تطورية تحمل عددا من المعاني والبلاغة الخطية، والبيان، والصيغ الجمالية. وأضاف البندوري: أنه يعتقد أن المبهمات تقلب المفهوم السائد للخط، وتقدم منجزات جديدة في نطاق التطور الذي يعرفه مجال الحرف بصريا، وهو يمثل نسقا مغايرا في الشكل الكلاسيكي للخط العربي ويعيد بناءه. وأوضح أن هذا لا يعني أنه يجهز على الشكل القديم، بل هي سنة الحياة التي تعرف التطور في كل شيء.

فالخط لم يعد بمفهومه النفعي المتعارف عليه، وإن ظل في الشكل الكلاسيكي من خلال اللوحات الخطية التي تعنى بالقواعد محببا لعامة الناس وخاصتهم، فإنه في الآن نفسه أصبح مفهوما يستغل البعد الجمالي والبلاغي ويحمل في جوهره عناصره الإيجابية ومفرداته الفنية ومكوناته الأساسية المتجددة. وهو توجّه مغاير وصـريح. فممارسة الخط لا تعتريه حلقات مفرغة، وإن المبهمات توجه وعي الخطاط نحو البلاغة بمعايير جمالية معاصرة. ولا شك أن تطور الخط ملازم لتطور الجمال والبيان والبلاغة، فلكل صناعته وآلياته. ولذلك لابد للخطاط والحروفي والناقد من الاستجابة البلاغـية والانتهال من الثقافة الخطية المعاصرة. فهناك مشاريع تنظيرية ونقدية جديدة في الساحة الثقافية العربية والعالمية يجب أخذها بعين الاعتبار. فبين الخط والحروفية والتشكيل حلقات انتقالية تطورية أثرت الحضارة العربية الإسلامية عبر التاريخ الإسلامي المجيد.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *