العمارة المقتصدة.. مفهومها وأهميتها في الهندسة المعمارية

 

 

عبد الغني الطيبي ” منهج الهندسة المقتصدة والمكتفية هو منهج خلاق ومبدع”

 

انطلقت هذا الأسبوع بمراكش، أشغال النسخة السادسة من الملتقى السنوي “المعمار”، المنظم تحت شعار “العمارة المقتصدة وتخطيط استخدام الأراضي”.

وتسعى المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بمراكش، الجهة المنظمة لهذا الحدث، إلى المشاركة في الحركة العالمية من خلال تسليط الضوء على المباني المكتفية والإبداعية التي تهدف إلى إعادة الهوية إلى العمارة في عالم معولم.

وفي حوار خاص مع مدير المدرسة المراكشية، وممثل كرسي اليونيسكو بالمغرب في “البناء بالتراب، ثقافات البناء والتنمية المستدامة”، عبد الغني الطيبي، تتطرق جريدة “مراكش الإخبارية” لموضوع نسخة هذه السنة من ملتقى المعمار الدولي وأبرز المستجدات المرتبطة بها.

 

ما هي أبرز مستجدات النسخة السادسة لملتقى المعمار الدولي 2021 ؟

أولا ملتقى “المعمار” هو برنامج لقاءات وفعاليات تعليمية وعلمية وفنية وثقافية، يتم تنظيمه سنويا لتعزيز وتبادل الممارسات الجيدة حول التراث المبني والثقافات البناءة، وكذا تشارك الأفكار حول مواضيع المدينة والفضاء القروي تنزيلا للاستراتيجيات التنموية والسياسات العمومية التي سطرتها وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.

وفي هذه السنة قرر الفريق العلمي والتربوي للمدرسة تخصيص النسخة السادسة لملتقى المعمار وجزء من ندواته المتعمقة لمقاربة مقتصدة ومكتفية للهندسة المعمارية وتنمية المناطق الحضرية والقروية، وأحيطكم علما أن هذه الخطوة مهمة لأنه من خلال نهج أسلوب الحوار والتعليم وتعبئة جميع أصحاب القرار والمصلحة يمكن تحقيق الأهداف الطموحة للتحول البيئي والمجتمعي.

لكن يبقى التحدي الأول والأخير ليس فقط تكوين وتأطير جيل جديد من المهندسين المعماريين بل أيضا إشراك صانعي القرار والمهنيين وممثلي المجتمع المدني، بحيث أن اعتماد المقاربة التشاركية وتحقيق الالتقائية بين جميع الفاعلين هي أحد مفاتيح النجاح : “إذا اقتنعوا فسيكونون مقنعين وسيصبحون سفراء حقيقيين”.

 

ماذا يقصد بالهندسة المعمارية المكتفية أو المقتصدة “Architecture Frugale” ؟

دعني أوضح لكم أن الحمولة اللغوية للمفهوم باللغة الفرنسية أكثر عمقا من ترجمته إلى كلمة مكتفية أو مقتصدة، إن منهج الاكتفاء هو أولا وقبل كل شيء الموقف الذي يواجه أربعة مجالات كبرى تؤثر بشكل أو بآخر على الهندسة المعمارية وتخطيط تدبير الأراضي  وهنا أقصد : استخدام الأراضي، إدارة الطاقة ، اختيار مواد البناء وإجراءات التصميم والتنفيذ.

ويهدف هذا النهج بالتأكيد إلى الانحدار المادي ولكن أيضا الى نمو وازدهار العلاقات الإنسانية بكل ثرائها كما يشمل التدبير المقتصد والمكتفي للأراضي كلا من الاستخدام الرشيد للأرض، واحترام الموقع، وعلى سبيل المثال لا الحصر إعادة هيكلة المباني القائمة، وربما بوظيفة أخرى يمكن أن يصل هذا التدبير إلى حد تأمين الأراضي الزراعية لضمان إنتاج الغذاء المحلي.

وفي مجال الطاقة، يدعو المنهج المقتصد والمتكيف إلى حلول رصينة وفعالة لضمان الراحة الحرارية، في الصيف كما في الشتاء. عندما يتم تقليلها من خلال تدابير المناخ الحيوي والعزل المعزز والتهوية الطبيعية والتركيبات التقنية القوية، يمكن تلبية الاحتياجات من خلال الطاقات المتجددة المنتجة محليًا.

أما فيما يتعلق بمواد البناء وتنفيذها، تسترشد الاختيارات بتقييم الموارد المتاحة في الجوار والمعرفة الحرفية للمنطقة. المواد القابلة للتجديد أو القابلة لإعادة التدوير بسهولة (الخشب ، الحجر ، الأرض ، القش ، إلخ) تتطلب القليل من الطاقة لتحويلها وينبعث إنتاجها القليل من الغازات الدفيئة.

وبالتالي فمنهج الهندسة المقتصدة والمكتفية هو منهج خلاق ومبدع، عكس ما يتم توظيفه بعض الأحيان في موضة المباني الذكية التي تعتمد على العديد من التركيبات التقنية، والتي غالبًا ما تتسم بالهشة والثقيلة من حيث الصيانة والتدبير. بحيث تتطلب الهندسة المقتصدة والمكتفية الابتكار والذكاء الجماعي، وترفض هيمنة الرؤية التقنية وتحافظ على مشاركة المواطنين.” ليس المبنى هو الذي يتسم بالذكاء،بل موظفوه “.

تصميم المباني المقتصدة هو موضوع نهج تشاركي يشمل المستخدمين في المستقبل، وحتى السكان. منذ البداية ، يؤسس تعاونًا جيدًا بين جميع أصحاب المصلحة والمعنيين، من العامل إلى الشركات، بما في ذلك المهندسين المعماريين والمهندسين من مكاتب التصميم والتقييم، إلخ. الشيء الرئيسي في الإنسان وليس في التقنية.

أين تكمن أهمية الهندسة المعمارية المكتفية او المقتصدة ؟

في مجال اشتغال الهندسة المعمارية، يلزم النهج المكتفي أو المقتصد”Frugale ”  إلى استخدام منطقي للأراضي، وتقليل احتياجات الطاقة واستعمال المواد المحلية ذات أساس حيوي (الخشب، ، والقصب، والقنب ، وما إلى ذلك) وذات مصادر جغرافية (التراب الخام والحجر وما إلى ذلك). تأثيرها ليس فقط خفيفًا على الكوكب، ولكنه إيجابي أيضًا للمستخدمين والمنطقة المضيفة. بحيث يمثل أحد التحديات الرئيسية في إثبات أنه من الممكن خلق استنادا على مواد بناء متوارثة، متوفرة محليا وتتطلب القليل من التغيير،ويضمن  مساحات صحية ومريحة مع جمالية معاصرة.

وعلى مدى عشرة آلاف السنين بنى الناس موطنهم باستخدام الموارد المتاحة والمتوفرة في محيطهم، في انسجام مع المناظر الطبيعية ومن خلال تطوير المعرفة المحلية. استمرت هذه العمارة العامية حتى بداية القرن العشرين ، طالما أن غالبية السكان يعيشون في الريف الى حدود حوالي عام 1920، في سياق التغيرات الاجتماعية والثقافية والتقنية المرتبطة بالثورة الصناعية والهجرة الجماعية من المناطق الريفية إلى المدن، قضت الزمن الحديث على هذه التقاليد القديمة. كما نفى معظم أتباعها الارتباط الوثيق بين العمارة وموقعها.

وبعد قرن من الزمن، يتزايد الوعي بالتأثير الحاسم لصناعة البناء على الأزمة الاجتماعية والثقافية والبيئية والاقتصادية. هذا القطاع مسؤول الآن عن حوالي 40٪ من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، و 40٪ من استهلاك الطاقة والموارد الطبيعية الأخرى و 40٪ من إنتاج النفايات. يدفع هذا الواقع المقلق المزيد والمزيد من المهندسين المعماريين إلى البحث عن الجوهر، إلى تفحص “عبقرية المكان”، واستخدام الموارد المحلية والثقافات البنائية.

في جميع أنحاء العالم، يعمل مجموعة من المهنيين الملتزمين على تحقيق التوازن بين براغماتية التقاليد والتقدم الذي حققته الحداثة.

والمناسبة شرط(أزمة كورنا)، ينبغي أن نسلط الضوء على أن التحول الإيكولوجي ومكافحة تغير المناخ يساهم  في الاستخدام الحكيم للموارد المستنفدة، وفي الحفاظ على التنوع البيولوجي والثقافي، من أجل كوكب أفضل للعيش فيه.بحيث أن الحفاظ على الحلول المعمارية وتخطيط المدن والحلول التقنية المتوارثة، فضلاً عن الأساليب الحالية في المعيشة والعمل والأكل والتنقل، يتعارض مع المهمة الملقاة على عاتق أجيالنا : احتواء الاضطرابات العالمية ثم القضاء عليها.

الاقتصاد في استخدام الطاقة والمواد الخام والصيانة يؤدي إلى سلك نهج قليل التقنية. هذا لا يعني غياب التكنولوجيا، ولكن الأولوية في اللجوء إلى التقنيات ذات الصلة والمكيفة، ” لا تلوث ولا تبذير”.

 

كلمة أخيرة

أولا أود أن أشكر منبركم المحترم على اهتمامه بالموضوع ومحاولة طرح أسئلة وجيهة لمعالجة الموضوع بطريقة إعلامية تجعل المواطن يفهمون المسار الذي تنهجه المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بمراكش وكذلك تقديم الموضوع بشكل مبسط حتى يتمكن القارئ من فهمه ومحاولة تنزيله من موقعه الخاص به .

كما أستغل الفرصة لشكر جميع شركائنا وطلبتنا الأعزاء على مجهوداتهم الكبيرة والطموحة التي تسعى دائما الى تطوير البحث العلمي واغناء النقاش والعمل على مشاريع يمكن من خلالها المساهمة في تنمية المجال المحلي والجهوي والوطني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *