الديكتاتورية الصحية : مول الحمامة مقداتوش الكمامة.

الديكتاتورية الصحية : مول الحمامة مقداتوش الكمامة.

بعد أيام من تقديم السيد رئيس الحكومة برنامج حكومته أمام البرلمان، وبعد حصوله على موافقة الأغلبية، بدأت الحكومة باتخاذ  إجراءات تعسفية  وتبني سياسات ارتجالية تفتقد للدراسات العلمية و الحوار المجتمعي الجاد…فقد  قررت الحكومة   اعتماد “جواز التلقيح” ضد فيروس كورونا كوثيقة رسمية للتنقل والدخول إلى الإدارات العمومية وشبه العمومية والخاصة، وكذلك للدخول إلى المؤسسات الفندقية والسياحية والمطاعم والمقاهي والأماكن المغلقة والمحلات التجارية وقاعات الرياضة والحمامات…، وذلك ابتداء من الخميس 21 أكتوبر الجاري.

الواقع أن الحكومة جانبت الصواب في قرارها بفرض جواز التلقيح على عموم المواطنين للولوج إلى المؤسسات العمومية والخاصة و ذلك لعدة أسباب:

1 – الحوار أفضل طريقة لمجابهة انتشار كورونا.

إن إقدام الحكومة المغربية على فرض جواز التلقيح بهذا الأسلوب الذي يعتمد لغة المنع و الزجر ، يعبر عن غياب المنطق السليم ، بل و ضعف الجانب التواصلي للكفاءات الطبية و العلمية المغربية التي تتولى الاشراف على إدارة أزمة كورونا ، فما المانع من تنظيم الحكومة ندوة وطنية لإعطاء محاضرة و تصور في هذا الشأن ، و الغاية بالنهاية   إجابة المغاربة عن جملة مخاوف من مخاطر اللقاح و تأثيراته الآنية و المستقبلية ، فالزجر لن يأتي إلا بنتائج عكسية …

كل المغاربة متفقين على أن صحة الإنسان هي الأولوية ، لكن من غير المعقول أن تقول الحكومة منذ البداية أن التلقيح اختياري ، في حين تفرض على المواطنين بطريقة غير مباشرة إجبارية التلقيح، لأن غير الملقح سوف يحرم من كثير من الحقوق الطبيعية و المضمونة دستوريا و بموجب مواثيق  دولية، كان أولى بالحكومة الحرص على  تنزيل و توفير هذه الحقوق ” الصحة و التعليم و الشغل و العيش الكريم التي هي محل إجماع الجميع، أما التركيز على جواز التلقيح ، بذريعة   حماية الصحة العامة ففي ذلك مجانبة للصواب.. نحن مع حماية كل المواطنين ، بتوفير خدمات صحية جيدة ، بالحرص على رفع الوعي بأهمية إجراءات السلامة الفردية.

2 – اشكاليات قانونية و حقوقية.

فرض جواز التلقيح بهذا الأسلوب الارتجالي فيه مس بالعديد من الحقوق المدنية و السياسية ، وهذه  النوعية من الحقوق تحمي حرية الأفراد من التعدي من قبل الحكومات والمنظمات الاجتماعية والأفراد، والتي تضمن قدرة الفرد على المشاركة في الحياة المدنية والسياسية للمجتمع والدولة دون تمييز أو اضطهاد.

إن الظروف و الأوضاع  التي فرضها وباء كورونا، أصبح من الضروري الحماية ضد التمييز على أساس التلقيح من عدمه…فلا احد يخاف على صحة الإنسان أكثر من الإنسان نفسه…و فرض التلقيح على الناس بطرق ملتوية هو خرق للحق في السلامة الجسدية…

فرض جواز التلقيح للولوج إلى المرافق العامة فيه خرق لمبدأ المساواة بين المواطنين ، و عندما تؤكد الحكومة منذ البداية أن التلقيح غير إجباري، لكن بالمقابل تؤكد على أن جواز التلقيح ضروري للولوج للمرافق العامة..فماذا يعني ذلك؟

يعني إجبارية التلقيح، فهل الدولة تتحمل مسؤولية الأضرار الآنية و المستقبلية التي قد تنجم عن هذا التلقيح، إذا كانت تتحمل المسؤولية فلتخبرنا بنص القانون الذي صوت عليه نواب الأمة… و ما هي الإجراءات و التدابير التي اتخذتها الحكومة للتعامل مع المتضررين من التلقيح؟ و لماذا كل هذا الإهتمام المبالغ فيه بتلقيح عموم الناس ؟ هل هناك مزايا تحصل عليها الدول عندما تلقح مواطنيها؟ لماذا لا تهتم الدولة بتوفير العلاج المجاني  لمواطنيها ضد امراض ترهقهم حقا؟ فالحقوق لا تقبل التجزئة و منطق الكيل بمكيالين…

3- طريقة تنزيل القرار:

فرض جواز التلقيح لدخول المؤسسات و الفضاءات العامة يطرح أكثر من سؤال : فما مصير الاستاذ الجامعي و القاضي و المحامي و الموظف الذي رفض تلقي اللقاح خوفا على سلامته الجسدية، وما مصير الطلبة و المرتفقين، فغيابهم بسبب منعهم من الدخول لمقرات عملهم يضر بمصالح كثير من الناس، و هل سيتم فصلهم عن عملهم نتيجة عدم توفرهم على الجواز ؟ و ما مصير العامل الذي لا يتوفر على جواز التلقيح ، هل إذا تم منعه من الولوج لمقر العمل يعد هذا المنع طرد تعسفي ، أم إخلال  يتحمل العامل مسؤوليته؟ نقاش قانوني وحقوقي  يشمل قضايا جوهرية من قبيل إنتهاك حقوق مضمونة دستوريا كحق التنقل و المساواة بين المواطنين ، و عدم التمييز بين المواطنين بأي شكل من أشكال التمييز على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو الاعتقاد، و هل المنع على أساس التلقيح من عدمه ألا يعد تمييزا و خرقا لجملة مبادئ عامة نص عليها دستور 2011..؟

خاصة و أنه  لا يوجد قانون منشور بالجريدة الرسمية  يجبر الناس على تلقي اللقاح ، أما البلاغ الذي تم  تداوله في  وسائل الإعلام فهو لا يرقى إلى مستوى القانون لأنه مجرد بلاغ ، وبالتالي أي مواطن تعرض لضغوطات  من جهة معينة لكي يتلقى اللقاح يمكنه أن يلجأ للقضاء …

و حتى في حالة المتوفرين على جواز التلقيح: فأين هو الحق في الخصوصية و سرية المعلومات الشخصية؟ فإذا كان رقم الهاتف الشخصي في المغرب قد عرض   كثير من الناس لعمليات النصب و الاحتيال، فهل يعقل لكي ادخل من باب مؤسسة عمومية او الجلوس 5 دقائق في مقهى ان اجعل بياناتي الخاصة متاحة للخواص؟ ذلك أن الجواز الصحي يحتوي معلومات شخصية لا يمكن لأي شخص الإطلاع عليها باستثناء من خولهم القانون الصلاحيات الضبطية. بمعنى لا يحق لأصحاب المقاهي والقاعات الرياضية والأمن الخاص للمحلات التجارية … أن يطلعوا على معلوماتك الشخصية الموجودة في جواز التلقيح. فهل الدولة ستفوض اختصاصات كانت حصرا على الضابطة القضائية و أعوان السلطة وفق ضوابط دستورية و قانونية عامة و محددة بدقة تحمي الحريات الخاصة و العامة، هل ستفوض هذه الصلاحيات للخواص و لحراس الأمن الخواص!!! ام أنها سوف تتجه نحو وضع أعوان السلطة  أمام كل مؤسسة عامة و خاصة يرتادها العموم ؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *