الدكتور آيت لعميم والفتح الجديد مع المختار السوسي

 

حين الحديث عن الحركة الأدبية والروائية على الخصوص في المغرب يستحضر الباحث –ولاشك الجهود السابقة – التي بدلت في تقييم ورصد هذه الظاهرة في بقعة تراوح مساحة المجال وتجاهد ظروفها الصعبة وتشاكس الزمان بين الخمول والكم. وقد أثار اختلاف الزمان لدى العديد من الباحتين في هذا المجال جدالا كبيرا خاض فيه الكثير من ذوي الاختصاص تارة ومن المتطفلين عليه والعابرين ليس إلا تارة أخرى. وحقيقة الأمر أن تقسيم أولئك الباحثين لتاريخ الحركة الروائية إلى فواصل زمنية وفترات حسابية قد جاء لتسهيل وتيسير البحث ليس إلا. أما اختلافاتهم في الآراء حول حدود تلك الفترات ومشارف أزمنتها هو جوهر الاختلاف في اعتقادنا بغض النظر عن الشخوص والمجال والذي لا يعد اختلافا عميقا وسببا قد يعيق الفهم والتقدير. ولذلك أسبابه الفكرية التي تحكمها وتقيدها ايدولوجية كل عصر وكل فترة حدا . وإثارة موضوع النشأة للرواية المغربية سيحيلنا تقنيا إلى إرهاصاته الأولى وهنا يرى الناقد سعيد يقطين أن هذا الموضوع سيجعلنا أمام أمرين اثنين : إما إتباع كرونولوجيا الرواية المغربية منذ ظهورها آو التوقف عند أهم مراحلها إلى الآن . و في هذه الحالة فالتصور الأول ستكون له فائدة، أما التصور الثاني فلماذا نناقش هذا الموضوع وما الغاية منه حسب سعيد يقطين لأنه يرى السؤال في الإنفتاح على المستقبل من أزمة الكيف إلى مشكل الكم . و إذا كان هذا النسق الكرونولوجي سيحتم العودة لمرحلة التأسيس التي اختلف فيها الكثير و تأرجحت بين 1967 برواية ” جيل الضمأ ” لمحمد عزيز الحبابي أو لسنة 1657 تاريخ صدور “في الطفولة” لعبد المجيد بن جلون . و منهم من ذهب إلى ما هو أبعد بتاريخ صدور “الزاوية” للتهامي الوزاني سنة 1942 غير أن البحث الجديد أو الفتح الجديد إن صح التعبير لتصحيح نقطة بداية هذا المسار الأدبي للرواية بالمغرب و الذي يعد بمثابة مشروع متكامل الأركان الأدبية : من البحث و المقارنة و التحليل ثم النقد هذا الفتح هو ما جاء به الدكتور الناقد محمد آيت لعميم في مقاله الذي نشر مؤخرا في مجلة الدوحة عدد 163 ماي 2021 تحت عنوان ” بين الجمود و الميع ” المختار السوسي روائيا . ففي هذا المقال يرى الدكتور آيت لعميم أن البدايات الأولى للرواية المغربية كانت مع هذه الرواية “بين الجمود و الميع ” التي ظلت غفلا ولم ينتبه إليها النقاد حسب تعبير آيت لعميم، و يرى انه لو نشرت في كتاب لأخذت حقها في ذلك الحين، ولدخلت إلى الإرهاصات الأولى لظهور الرواية بالغرب و التي نشرها المختار السوسي مسلسلة في مجلة دعوة الحق (من العدد 4 إلى العدد 12) لكن هيئة المجلة غيرت العنوان إلى ” بين الجمود و الجحود” و قد كتبها المختار في منفاه في إيليغ (1937 – 1945) و لم ينشرها إلا بين سنتي 1957 -1958 و بذلك يمكننا الذهاب إلى البدايات الأولى للرواية المغربية كانت مع هذه الرواية التي ظلت غفلا و لم ينتبه إليها النقاد حسب الدكتور محمد آيت لعميم . و يسرد في مقالته كل المعطيات السوسيوثقافية للمرحلة التاريخية التي أملتها رواية ” بين الجمود و الميع” آو القضايا السياسية أو الاجتماعية أو العقائدية التي جاءت فيها الرواية وحاول المختار السوسي خلخلت كل هذه القضايا التي كانت يحفل بها المجتمع المغربي آنذاك، والتي حسب آيت لعميم استعرضت مجموعة من الأفكار و انتقدت مجموعة من التصورات الخرافية و السلوكات المنحرفة و أنشأت لحظة للجدل الفكري و المناظرة حول نقد التقليد الذي يمجد ما توارت الناس من دون تمحيص عقلي في محاولة لممارسة نقد مزدوج سواء لترسبات التقليد أو ميوعة الفكر و انحلاله في أسلوب نقدي متميز ، يحفظ للموروث تنوعه و للجديد أنواره. كما أثار الناقد الدكتور محمد آيت العميم مسالة كان للمختار السوسي فيها نسبة عالية من الذكاء و الدهاء فقد ترك المختار روايته غير تامة و غير كاملة و مفتوحة على كل الاحتمالات و بذلك يكون المختار السوسي جاور بهذا السحر و الذكاء كبار الروائيين كمارسيل بروسيت و هيرمان ميلفيل و فرانز كافكا …

ثم ينهي الناقد الباحث الدكتور محمد آيت لعميم وهو العالم العارف بشعاب ورفوف أقدم المكتبات والناهل من أغلى كنوز أمهات كتبها المعرفية … ينهي بانفتاح رواية المختار السوسي و فيها دعوة لإعادة و إضافة لبنات للرواية المغربية ومن خلالها إعادة النظر في هذا المعطى التاريخي للرواية المغربية لما له من رهانات تاريخية و سياسية و ثقافية و اجتماعية، و التي تعد بمثابة المقياس الضابط لجميع أوجه العمل الروائي و المحددة أيضا لقيمته التاريخية و الفنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *