تحقيق المسكوت عنه في الخروقات التعميرية بجنبات السور التاريخي لمراكش

يقف السور التاريخي لمدينة مراكش شاهدا على المجد الحضاري التليد للمدينة الحمراء،  شُيد على يد الأمير المرابطي علي ابن يوسف ابن تاشفين سنة 520ه الموافق ل 1126 م، وتثميا لهذا الصرح المعماري الأصيل قامت منظمة اليونسكو سنة 1985 بتصنيف مدينة مراكش ضمن قائمة التراث الإنساني، داعية إلى الحفاظ على خصوصيتها المعمارية وحمايتها من كل أشكال التغييروالتشويه.

مراكش الإخبارية تنقلكم في هذا التحقيق للتعرف على واقع حال منطقة الارتفاق بالسور التاريخي وأهم التجاوزات والمخالفات العمرانية، وتكشف عن هوية مجموعة من المؤسسات العمومية التي قامت ببناء مقراتها الإدارية في منطقة حماية السور أو في المنطقة المنزوعة البناء، وتميط اللثام في الان ذاته عن مضمون وثيقة حصرية ستعيد مشروع تهيئة جنان الشيخ إلى الواجهة بعدما توقفت أشغاله لأزيد من سنتين.

ظهائر ملكية وتشريعات قانونية في سلة المهملات

قمنا بالتنقيب في أرشيف القوانين التي تهتم بالإرث المعماري الأصيل، ووقفنا على العديد من الظهائر والقرارات الحكومية، التي تنص على عدم البناء في المناطق المصنفة ضمن منطقة حماية السور أو المنطقة المنزوعة البناء التي تؤطرها مجموعة من الظهائر والتشريعات القانونية لاسيما منها الظهير الملكي الصادر بتاريخ 19 نونبر 1920 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية، ثم ثلاث قرارات وزيرية صادرة ما بين سنتي 1925 و1928 وهي منشورة بالجريدة الرسمية أعداد 667 و723 و832، وتنص هذه التشريعات على ترك مسافة 30 متر  على مستوى الواجهة الداخلية للسور التاريخي عن باقي أشكال البناء المُحدثة، وحُدّدت مسافة الارتفاق على مستوى الواجهة الخارجية للسور التاريخي في 250 متر، فيما جعلت المنطقة الممتدة ما بين حارة الجدماء بباب دكالة وباب الخميس منطقة منزوعة البناء.

وقلصت القرارات الوزيرية مسافة الارتفاق بالسور من 250 إلى 100 متر ما بين حارة الجدماء بباب دكالة وبرج شارع اليرموك بباب النقب، ثم تراجعت المسافة إلى 60 متر مابين برج شارع اليرموك وباب الجديد، وتم تصنيفها هي الأخرى منطقة منزوعة البناء. فهل تم احترام هذه التشريعات على أرض الواقع؟

مؤسسات تابعة للدولة تخرق القانون

“الفقيه اللي كنتسناو باراكتو..دخل للجامع ببلغتو” مثل مغربي دارج ينطبق على لسان حال مجموعة من المؤسسات العمومية، التي تنص الأعراف القانونية على أن تكون في طليعة من يلتزم بالتشريعات لإشاعة مبادئ الالتزام والاحتكام إلى القانون، غير أنها عاكست التيار وكانت أول من يخرق متن مجموعة من الظهائر الملكية والقرارات والمراسيم الوزارية المرتبطة بحماية السور التاريخي لمدينة مراكش.

في هذا الإطار تمكنت الجريدة من خلال معايناتها الميدانية واستنادا على معطيات حسابية حصرية، من تحديد 28 بناية من بينها مؤسسات تجارية وسياحية وأخرى عمومية لم تحترم أثناء تشييد مقراتها المقتضيات القانونية الجاري بها العمل، حيث تبين أن مقر المحطة الطرقية التي تم تشييدها في ثمانينات القرن الماضي تبعد عن السور ب 60 مترا فقط، بناية قرب محطة الطاكسيات (55  متر)، بناية محادية للحارة (33 متر)، مركب القنسولي (90  متر)، بناية بمجمع القوات المساعدة (245 متر) ، دار الثقافة (139 متر)، المديرية السامية للتخطيط (122 متر)، ولاية جهة مراكش (199 متر) ، المركب الثقافي باب الخميس (114 متر) ، إعدادية أحمد شوقي (122 متر) ، مدينة الزهراء (77 متر)، الملحقة الإدارية للنخيل الجنوبي (155 متر) ، سوق الدراجات (116 متر)، المركب التجاري (111 متر)، سوق الربيع (140 متر)، محطة الوقود باب اغمات (56 متر)، مرآب السيارات باب اغمات، مقاطعة سيدي يوسف ابن علي ومجلس الجهة (127 متر)، مقر مراقبة نفقات الدولة (143 متر)، المحكمة الإدارية (132 متر)، البنك الشعبي والمدرستين الابتدائيتين علال ابن عبد الله و عبد الله ابن ياسين (119 متر) ، حي سيدي يوسف ابن علي 4 (118 متر)، الفيلات (227 متر)، السوق الممتاز المزار (182 متر)، جزء من فندق رياض موكادور (235 متر)، بالإضافة إلى حديقة وملاعب جنان سيدي بلعباس، الأبواب المحدثة في السور التاريخي بين باب دكالة و”بويبة العيادي”، دار الشباب قبور الشو، المرحاض المقابل للواجهة الجنوبية لمسجد الكتبية.

كل هذه البنايات السالفة الذكر التي تعود ملكيتها إلى مؤسسات عمومية وأخرى خاصة ذات صبغة سياحية وتجارية خالفت متن الظهائر الملكية وكذا المراسيم والقرارات الوزارية الجاري بها العمل، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام: لماذا تم السكوت عن هذه التجاوزات؟ ومن يُحاكم مؤسسات الدولة الخارقة للقانون؟

جنان سيدي بلعباس..المشروع المُجهض

يحتضن “جنان الشيخ” أو جنان سيدي بلعباس” المتواجد على مشارف شارع 11 يناير بمراكش مشروعا واعدا، كان من المنتظر أن يغير المشهد العمراني والإيكولوجي للواجهة الغربية لمدينة مراكش، غير أنه ما زال يُراوح مكانه بسبب سجال قانوني مرتبط بتواجده على تراب منطقة منزوعة البناء، وبالعودة إلى أصول هذا العقار تخبرنا بعض الكتابات التاريخية أن الولي الصالح “أبو العباس أحمد بن جعفر الخزرجي السبتي” الذي عاش في القرن 12 الميلادي قام بتحبيس هذا العقار لفائدة المكفوفين بالمدينة للإستفادة من ثماره.

في عهد الوالي محمد فوزي والعمدة فاطمة الزهراء المنصوري وبالضبط سنة 2013 صادقت لجنة الاستثناءات على مشروع بجنان الشيخ يروم إحداث حزام أخضر ومنشآت أخرى  قابلة للتفكيك ” préfabriquées” لكي تتلاءم من النص القانوني الذي جعل من هذه المنطقة منزوعة البناء، غير أن تأخر الأشغال التي تجاوزت مدة 6 أشهر المصادق عليها في رخصة لجنة الاستثناءات، عاد بالملف مرة أخرى إلى نقطة الصفر.

 نقطة التحول كانت في عهد الولي المعزول “عبد الفتاح البجيوي” ورئيس الوكالة الحضرية المسجون “خالد ويا”، وذلك سنة 2017 عندما قامت مديرية الأوقاف بكراء هذا العقار الذي تقدر مساحته ب11 هكتار لصالح شركة “MA.PA” مقابل سومة كرائية تقدر بحوالي 330 مليون سنتيم في السنة.

تضمن تصميم المشروع في صيغته الأولى فضاء أخضر، فضاءات للأطفال، ملاعب للقرب، مسار للجري، قاعة لتغيير الملابس على شكل بناية قابلة للتفكيك، محطة للتزود بالوقود، ثم مرآب للسيارات، وبإيعاز من أحد الوجوه السياسية المعروفة بالمدينة الحمراء تم إجراء تعديلات على التصميم الأول لتتم إضافة مقاهي في الهواء الطلق ومحلات تجارية

أسرّت مصادر الجريدة أنه تم عرض التصميم في صيغته الأولى على كل من المحافظ الجهوي للتراث الثقافي والمدير الجهوي للثقافة بمراكش السابقين  فصادقا على المشروع. لكن مع تعيين المدير الجهوي الجديد للثقافة بمراكش في يونيو 2019 قام بإلغاء المشروع جملة وتفصيلا لكونه يتموقع في منطقة منزوعة البناء حسب المادة 11 من القرار الوزيري لسنة 1925، ليدخل المشروع نتيجة هذا المعطى القانوني إلى النفق المسدود.

توصلت الجريدة إلى وثيقة حصرية موقعة من طرف وزير الثقافة السابق (وزارة الشؤون الثقافية آنذاك) “محمد الأشعري” بتاريخ 12 نونبر 1998 يبدي من خلالها موافقته على التقليص من مسافة الارتفاق بالسور من 250 إلى 60 متر، وقد جاء هذا القرار جوابا على ملتمس تقدم به رئيس بلدية المنارة جليز “عبد اللطيف أبدوح” يلتمس من وزارة الثقافة باعتبارها وصية على الشأن التراثي بالمدينة حول إمكانية التقليص من مسافة الارتفاق التي حددها الظهير الملكي، وذك لإقامة مشاريع تكتسي صبغة اجتماعية، وهو ما تفاعل معه الوزير السالف الذكر بالإيجاب،

ظهور هذه الوثيقة التي لم تكن معروفة في السابق سيعيد مشروع تأهيل جنان الشيخ إلى واجهة الأحداث من جديد بعدما توقفت الأشغال لأزيد من سنتين، وسيضع المديرية الجهوية للثقافة بمراكش التي رفضت الموافقة على المشروع في موقف محرج.

الانتقائية في تأويل القانون

توقف أشغال مشروع جنان الشيخ دفع العديد من المهتمين بالشأن المعماري والتراثي بالمدينة الحمراء إلى إجراء مقارنة ملغومة بين حالة “البلوكاج” الحالية وبين الإجراءات الاستثنائية التي قام بها كل من المجلس الجماعي لمراكش والمديرية الجهوية للثقافة وباقي المصالح الأخرى عندما استطاعت أن تجد مخرجا لمشروع أخ العمدة السابقة فاطمة الزهراء المنصوري على مستوى باب اغمات.

علمت الجريدة أن مشروعا أخر أُُشهر في حقه “الفيتو” ليتم إجهاضه في مراحله الجنينية بداية سنة 2020، وهو يتعلق بمشروع بناء مقر “مخفر للشرطة” بجردة مردوخ غير بعيد عن “باب الرُب”  بتراب جماعة القصبة المشور، لكن يظهر أن المديرية الجهوية الثقافة بمراكش كان لها رأي آخر، التي رفضت التأشير بالموافقة على المشروع، لكن، الأمر الذي يبعث على الاستغراب هو أن مقر المديرية الجهوية للثقافة نفسها تم تشييده في الحيز نفسه الذي يسري عليه الظهير الملكي لسنة 1920، بل الأنكى من ذلك فمقرها الإداري يوجد في منطقة منزوعة البناء حسب القرار الوزيري الصادر  بتاريخ 19 نونبر 1925 لاسيما المادة السادسة منه، فيما غضًت الطرف عن مشروع بناء دار الشباب بقبور الشو على مستوى الواجهة الداخلية للسور، حيث يظهر أن المنشأة الحديثة البناء تتجاوز العلو المسموح به وعلى بعد أمتار قليلة فقط من السور التاريخي.

السور التاريخي لمدينة مراكش جزء من الموروث العمراني الأصيل لمدينة مراكش، يقتضي لزاما توحيد الجهود بين كافة الفاعلين والمتدخلين للحفاظ على هويته الحضارية وحمايته من كل أشكال التهجين والتشويه، ولن يتأتى ذلك إلا بالإمتثال إلى روح التشريعات القانونية على قدم المساواة، سواء كان الأمر يتعلق بمؤسسات عمومية أو شركات خصوصية أومواطنين، صونا للذاكرة الجماعية واستشرافا لمستقبل متصالح مع ذاته.

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial
error

مرحبا بك في موقعنا مراكش الإخبارية شارك اخبارك