رسالة سنوية صيفية إلى أصيلة المغربية

سعدت كثيرا لأنني وجدت محلا تجاريا يبيع قمصانا صيفية مكتوب عليها بلغة لاتينية ASILAH، فاشتريت منها ثلاثة.

لا تربطني بهذه البلدة الأطلسية الصغيرة، أي مصالح نفعية، لأنني أعتبرها مستشفى أجد فيه راحتي، ومكانا لاسترجاع عافيتي من مطاردة عقارب ساعة الأخبار، ومصدرا طاقيا لشحن بطاريات قلبي، وشاطئا أرمي فهي هموم روحي.

لكل مكان أسرار دفينة يكتمها إلا عن العاشقين الصادقين، الذين لا يهمهم سباق انتخابي، ولا وصولية سياسية، ولا مجاملة لصاحب مطعم أو حانة او مقهى، لأن الحرية تقتضي في الحب الوفاء بعدم التبعية، ولا سمسرة في ملف له خيوط تصل إلى طنجة أو الرباط أو ادعاء امتلاك مفاتيح هنا أو هنالك، فالحب صافي لوجه رب كريم.

أثقلت جائحة فيروس كورونا كاهل بلدة أصيلة، فبقيت وحيدة في صيف 2020، إلا من قلة عشاق قرروا الاستمرار في وصالهم لأنهم محبون صادقون لها، وأنا منهم.

لا يمكن تحمل الحشاشين والمدمنين، ولو أنهم سكان المكان اليوم بالممارسات اليومية السلبية، فهم يجلسون على يمين وعلى يسار باب الحومر التاريخي، فلا يتركونك تمر دون أن يرموك بسهام نظراتهم الحادة جدا، او ينفثون دخان لفائفهم اتجاهك، خصوصا إذا كانوا لا يتوفرون على ميلغ شراء تعبة المزاج.

مع احترامي لحرية كل فرد في ممارسة ما يريد، ولكن موقفي السلبي من الحشاشين، مرده إلى إصرارهم على أن يتقاسموا مع الجميع نزواتهم وإدمانهم، ونشرهم للإزعاج الصوتي في كل مكان، ولما تسألهم الرحيل، يجيب أحدهم نحن أهل المكان وسكانه، وأن علي دخول البيت وتحملهم، وهم يستغلون قانون التواطئ الاجتماعي، الذي يسود البلدة منذ سنوات وسنوات؛ فالكل يعلم ويعرف ولكن الكل يشاهد في صمت.

في صيف 2020 التاريخي، البلدة الزيلاشية الأطلسية نسجت يوميات فراغ، لم يتصورها أحد ولو باب الخيال الأدبي، بما فيهم الروائي يحيى بن الوليد، في نصه فوق عش العقل، ولا جهابدة نسج القصص الخرافية في مقاهي السور التاريخي الزيلاشي.

فكورنيش أصيلة الطويل، ترتفع فيه أصوات المزنجرات، العاملة في صياغة شكل جديد للكورنيش، على أمل أن يكون مشروعا لولادة واجهة على المحيط الأطلسي، لجذب زوار جدد من نوع جديد  يضخون مالا في حصالات المقاهي والمطاعم الجديدة، ويقطعون مع مرحلة أثبتت أنها محدودية سياحة عربات الحلزون.

ترتفع شمس منتصف النهار، تفرغ المدينة من المترجلين، وحدهم قطط المدينة العتيقة يأخذون قيلولة مريحة في وسط الطريق، لأنهم تعودوا الحياة من دون بشر  في زمن فيروس كورونا في المغرب.

فعندما تكلم التجار، يأتي صوت الأنين بتشك من صيف بدون سياح، يخبرني أحدهم أن السياحة الداخلية كذبة كبيرة، وفي مدخل المحل لا توجد أي ملصقات تتعلق بفيروس كورونا، ولا يقدم المحل أي محلول للتعقيم لليدين،ولا يحترم زبناء المكان التباعد الاجتماعي، وهذا مشهد يكاد يكون روتينيا، لذلك أغادر اختياريا متنازلا عن حاجياتي.

ينظر لي كثيرون ككائن نزل في سفينة من مجرة أخرى، ملتزما بارتداء الكمامة، وباستعمال منتظم للسائل المعقم، بعضهم يقول لي إن فيروس كورونا مآمرة غربية، وأن الإعلام يكذب على المغاربة، أغادر سريعا لأنني أتجنب نقاشات عقيمة.

في صيف 2020، جئت ككل صيف من كل عام، منذ 10 سنوات، للاستراحة السنوية في بيت العائلة في المدينة التاريخية، داخل أسوار القلعة البرتغالية، وواصلت حجري الصحي المنزلي.

ستعمق جائحة فيروس كورونا مشاكل بلدة أصيلة الأطلسية، في غياب نخب محلية  قادرة عن تقديم وصفات جديدة، لنهضة البلدة لمرحلة ما بعد جلاء الجائحة.

ستواصل جائحة فيروس إسقاط أوهام في أصيلة وفي كل المغرب، للوبيات لها مصالح لا ترتبط بتنمية الإنسان، لأنها تسبح عكس تيار إصلاحي أساسه الإنسان، يريده العاهل المغربي الملك محمد السادس للمغاربة، وهو ما عبر عنه العاهل المغربي في خطابي عيد العرش وذكرى ثورة الملك والشعب.

يجلس نفر إلى طاولة بيع الحلزون، يتزاحمون وهم يضحكون، فيما الشمس تغادر يوما صيفيا آخر من شهر غشت 2020، في مدينة أصيلة، يرتفع صوت يطالب باحترام قواعد السلامة الصحية، فترد عليه صاحبة العربة مخاطبة زبناءها، اجلسوا وكلوا لن تقتلنا كورونا، سنموت من الجوع.

يطالع بائع الكتب في باب الحومر المشهد، يغيب لحظة قبل أن يحضر كأسه من الشاي الأخضر المنعنع، يواصل تتبع خيوط فصول من مسرحية الحياة اليومية في باب الحومر في أصيلة المغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial
error

مرحبا بك في موقعنا مراكش الإخبارية شارك اخبارك